تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

أما الآن فتفككت العروة، وانزوت العلوم كل منها في ميدانها لا رابط بينه وبين العلوم الأخرى. وأصبحت مادة العلوم مزدوجة خاصة في العلوم الإنسانية بين تراث القدماء وتراث المعاصرين. أما العلوم الرياضية والطبيعية فقد انقطعت كلها عن تراث القدماء وأصبحت امتدادا للتراث الغربي المعاصر؛ لذلك لم تساهم علومنا في تكوين وحدة الفكر أو في تأسيس تصور للعالم. فاحتجنا إلى الأيديولوجيات والمذاهب السياسية لتكميل النقص وسد الفراغ. ويا ليت ذلك قد حدث باسم التخصص الدقيق والبحث عن الجزيئيات كما هو الحال في التراث الغربي المعاصر، بل حدث بسبب ضياع وحدة المصدر، والتصور الواحد الشامل المتوازن.

إن التقابل بين الفترتين في تاريخ الحضارة الإسلامية يمكن أن يستمر ويمتد إلى ميادين عديدة. وبصرف النظر عن الإحصاء الشامل، يكفي الوعي بهذا الوضع التاريخي والذي يفرض نفسه على الباحث وأستاذ الفلسفة؛ حتى يعيد بناء علوم التراث بناء على ظروف عصره.

| خامسا: نشأة الفلسفة: قراءة الآخرين من خلال الذات

إذا كان المقصود بالفلسفة والتراث هو علاقة الفلسفة الحالية بالتراث الفلسفي القديم، فإن وصف نشأة هذا التراث الفلسفي قد تساعد على فهم وظيفة الفلسفة التي أدتها في التراث، وإلى معرفة إلى أي حد استمرت هذه الوظيفة أم انقطعت. وما صلة النشأة الأولى بالنشأة الثانية؟ وهل يمكن بعث الفلسفة من جديد بنشأة ثانية تماثل النشأة الأولى ولكن مع تراث مختلف، الغربي الحديث بدلا من اليوناني القديم؟ (1)

كانت الفلسفة في التراث آخر العلوم العقلية النقلية ظهورا؛ إذ إنها نشأت متأخرة بعد عصر الترجمة، في حين نشأت العلوم الأخرى، أصول الدين وأصول الفقه وجماعات الزهاد والعباد والبكائين وهم بدايات التصوف، منذ أواخر القرن الأول، فالفلسفة لا تنشأ إلا بالتعامل مع الآخر، وبعد لقاء مع تراث آخر بعد ترجمته والتعرف عليه. لذلك كان القرن الثاني هو عصر الترجمة والذي استمر حتى الثالث والرابع، ثم تحول بعض المترجمين أنفسهم إلى شراح وفلاسفة كما كان بعض الفلاسفة الأوائل مترجمين.

1 (2)

نشأت الفلسفة إذن كقراءة لنصوص لتعرف الأنا على الآخر. لم تنعزل الحضارة الجديدة عن حضارات الغير ولا حاولت القضاء عليها كما فعلت الحضارة الأوروبية إبان الأوج الاستعماري مع حضارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل تم التعرف عليها باحترام شديد، بل والدفاع عنها وتأصيلها وإكمالها وتبنيها، ثم صبها في حضارة الذات. وما تم في الفكر ثانيا قد تم في الواقع أولا عن طريق التزاوج والتصاهر بين الفاتحين الجدد والمفتوحين القدامى، بين حاملي الدين الجديد وبين المتحولين إليه من أنصار الديانات القديمة.

2 (3)

وكانت الترجمة ذاتها قراءة. فلم يكن الهدف النص المترجم بل كان الهدف هو الترجمة ذاتها. لم يكن يهم التطابق الحرفي بين القراءة والمقروء بل التطابق المعنوي لدرجة تغيير النفل حتى يتفق مع المعنى المفهوم والذي أمكن فهمه بفضل تصور الأنا المتكامل للعالم النابع من الموروث القديم، حتى ولو لم يكن الناقل مسلما دينا فإنه كان مسلما ثقافة. لذلك يخطئ الناشرون المحدثون للترجمات العربية القديمة عندما يصححونها بناء على النصوص اليونانية القديمة أو على ترجماتها إلى اللغات الأوروبية الحديثة. فموقف الناقل القديم لم يكن موقفا استشراقيا حديثا يهمه ضبط النص بموضوعية تاريخية فقهية لغوية نصية، بل كان موقفا حضاريا ينقل النص بعد قراءته وفهمه، ثم وضعه في صياغة عربية مفهومة كمرحلة أولى، تتبعها مراحل ثانية مثل الشرح والتلخيص، ثم مرحلة ثالثة هي التأليف الإبداعي الخالص سواء في الوافد وحده، أي حضارة الآخر لإعطاء تصور شامل لها، أو باجتماع الوافد والموروث، ثقافة الآخر مع ثقافة الأنا في إبداع ثالث جديد. (4)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٥١