تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تساوي جميع الحضارات الإنسانية في المساهمة في الحضارة البشرية، وبالتالي تتعدد الحضارات وتتفاعل فيما بينها، وتكون علاقات التفاعل بالتبادل وليست أحادية الطرف من الحضارة الغربية إلى الحضارات غير الأوروبية. فما أعطته الحضارات الصينية والهندية والفارسية والمصرية للعالم القديم قد لا يقل عما أعطته الحضارة الغربية للعالم الحديث. (9)

حصر «فائض القيمة التاريخي» الذي دخل ضمن مكونات الحضارة الغربية ورده إلى أصحابه تاريخيا. فقد حدث أكبر تراكم تاريخي وأكبر رصيد للإبداع البشري في الحضارة الغربية. إذ جمعت من الشرق القديم عبر اليونان والعبرانيين، كما جمعت من الشرق الإسلامي عبر إسبانيا وجنوب إيطاليا والبلقان وتركيا حضارات الشعوب غير الأوروبية. فكان تعيينها مجرد حملة العلم ونقلته إلى الغرب حيث يتم الإبداع. (10)

تحجيم الغرب ثقافيا - كما تم تحجيمه قبل ذلك سياسيا بعد ثورات الشعوب وحركات التحرر الوطني ضد الاستعمار - هو مشروع الشعوب غير الأوروبية ومن ضمنها الأمة العربية والإسلامية. وهي مهمة عدة أجيال قادمة بعد أن مهدت الأجيال السابقة لنا فرصة اكتشاف تراثنا الذاتي في مرآة الغير وتأصيل ثقافته في تاريخنا الثقافي.

3

| ثالثا: النهضة الحضارية

بعدما يتم بناء التراث الذاتي وتحجيم تراث الغير تبدأ النهضة الحضارية بتفاعل الموقف التراثي مع التجارب الوطنية التي تمر بها الشعوب. فالتراث هو ما يمد الشعوب بأبنيتها الفوقية، والتجارب الوطنية تمدها بأبنيتها التحتية وبتفاعل البناءين تبدأ مسيرتها في التاريخ. (1) الثقافة الوطنية

وتمثل الثقافة الوطنية نتيجة هذا التفاعل بين الموقف التراثي والتجارب الوطنية أو أنها حلقة الاتصال بين الثقافة الذاتية والتجربة الوطنية، خاصة وأن كليهما يشترك في مواجهة هيمنة الغير الثقافية والسياسية. (أ) حركات التحرر الوطني

لقد استطاعت الشعوب غير الأوروبية أن تقدم تجربة فريدة في تاريخ البشرية وهي تجربة التحرر الوطني من الاستعمار التي هزت موازين القوى في العالم، وظهرت الشعوب المتحررة حديثا كمركز الثقل في العالم تحفظ العالم من ويلات الحروب، وتدعو لإقامة إنسانية جديدة وقواعد للتعاون الدولي أكثر عدالة وإنصافا للشعوب غير الأوروبية. وكانت حصيلة تجربتها على النحو التالي: (1)

انتهاء عصر الهيمنة الأوروبية على الشعوب غير الأوروبية، وبداية تاريخ جديد للبشرية يبدأ بعصر التحرر الذي يواكب أزمة القرن العشرين في الغرب، وبداية الانكماش الأوروبي داخل حدود الغرب الطبيعية، وانحسار ثقافته وآثاره على الغير. (2)

ظهور ثقافات التحرر الوطني لدى الشعوب التي تخوض تجارب التحرر مواكبة لها أو سابقة عليها. فظهرت أيديولوجيات التحرر الوطني عند الأفغاني والكواكبي وعبد القادر المغربي وعبد الحميد بن باديس والسنوسي والمهدي وعرابي وعبد الناصر، تضع فيها الشعوب خلاصة تجاربها الوطنية وإبداعها وهي تتخلص من نير الاستعمار. (3)

تفجير القوى الوطنية الخلاقة بإسهامات في موضوع كتب فيه من الجميع في تجارب التحرر وتباين المنطلقات الثورية نحو الأهداف الوطنية المشتركة وبداية أفكار الجبهة الوطنية والجبهة المتحدة، فالوطن للجميع تجاه عدو واحد مشترك وهو الاستعمار. (4)

ظهور الإبداع في الحياة القومية في صورة مشروعات قومية لمناهضة الاستعمار والعنصرية في الخارج والتسلط والتخلف في الداخل، وكأن النضال السياسي من أجل الاستقلال هو شرط الإبداع القومي. (ب) ثقافات التحرر الوطني

ولقد أعطت حركات التحرر الوطني نماذج عدة لثقافاتها التي تمت أثناء قيام الشعوب غير الأوروبية بنضالها ضد الاستعمار ومنها: (1)

الثورة الثقافية في الصين وضرورة مواكبة الثقافة للثورة المستمرة بعد أن أدت «الكونفوشيوسية الثورية» دورها الشعبي في إيقاظ الوعي القومي وتجنيد الجماهير، والقيام بالمسيرة الطويلة ووضع قوانين للصراع ظنها الغرب قوانين الجدل المستمدة من الماركسية اللينينية، والاعتماد على الفلاحين كرصيد شعبي للثورة في الدول الزراعية وعلى مفاهيم الدولة والزعيم وعلى الأخلاق السياسية المعروفة في التراث الصيني القديم. (2)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٣٥