تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم الطبيعي وإنجازاته في فهم ظواهر الكون والسيطرة على قوى الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان، وامتداده إلى الحياة الإنسانية. فنشأ الفكر الطبيعي العلمي (شبلي شميل، فرح أنطون، نقولا حداد، يعقوب صروف ... إلخ) ودراسة المجتمعات على نحو علمي. وظل هذا المطلب إلى الآن عند دعاة الفكر العلمي من الليبراليين أو الماركسيين واكتشاف ذلك عند القدماء كما فعل الأفغاني مع نظرية التطور. (4)

ظهور النزعة الإنسانية والاهتمام بحياة الإنسان الفردية والاجتماعية والإقلال من الموضوعات المتعالية الني كثرت عند القدماء، واكتشاف ذلك في أسس الشرع وفي مقاصد الوحي الذي أتى من أجل مصلحة الإنسان ومنفعته في الدنيا. (5)

التركيز على الحرية والديموقراطية والدستور والحياة النيابية، وتأصيل ذلك في الشورى والبيعة عند القدماء، واحترام تعدد الآراء والآراء المعارضة، واكتشاف ذلك عن القدماء في اختلاف الأئمة كرحمة بينهم. (6)

الإعجاب بالعلوم الاجتماعية وبفلسفات التاريخ، وبتقدم المجتمعات ونهضتها، والثناء على الحركات الاشتراكية وثورات الشعوب ونضال العمال، وثورة المضطهدين، وتأصيل ذلك عند القدماء في العدالة ضد الظلم وسنن الله في الكون، والخروج على الحكام. (ج) تحجيم الغير

وإثر رواد النهضة الأولى في القرن الماضي بدأت الأجيال التالية، نظرا لمخاطر الحداثة والتغريب وإفساحا لإبداع الذات، مشروعا آخر بعد مرآة الغرب وهو تحجيم الغرب؛ وذلك على النحو التالي:

2 (1)

إدراك «محلية» الثقافة الغربية وأنها خاضعة لظروفها الخاصة وقد تكونت بفعل روافدها اليوناني الروماني أو اليهودي المسيحي أو البيئة الأوروبية نفسها. وكشف القناع عن دعواها في الشمولية التي تخفي وراءها الرغبة في الانتشار خارج حدودها؛ تحقيقا للهيمنة على غيرها من الثقافات كمقدمة للسيطرة على الشعوب. (2)

تحجيم الغرب داخل حدوده الطبيعية، ودراسة ثقافته ككل واحد لا يتجزأ، له بداية ونهاية، له بناء وتطور، له روافد وآثار، وله سمات مميزة خلقت عقلية ذات طابع معين، وتطبيق مبادئ علم اجتماع الثقافة على ثقافته، وتحويلها أيضا إلى موضوع للأنثربولوجيا الثقافية. (3)

التخلص من إشعاعاته وآثاره الثقافية لدى الشعوب غير الأوروبية التي بدأت نهضتها واكتشاف تراثها الذاتي؛ وذلك عن طريق إرجاعه إلى مصادره في بيئته الخاصة بعد أن أصبح لها مستقرا ومستودعا، وبداية عملية رفض الجسم الغريب، ويسهل ذلك بعد رؤيته كآخر مغاير للذات، ورؤيته له عن بعد كموضوع مستقل مغاير. (4)

المساهمة في كتابة تاريخ له، ورؤيته من منظور غير أوروبي، أي إعادة كتابة تاريخ الثقافة الغربية من باحثين ومفكرين غير أوروبيين كما فعل الباحثون الأوروبيون في الماضي مع الثقافات غير الأوروبية. وبالتالي ينشأ علم «الاستغراب» في مقابل «الاستشراق»، وقد يكون هذه المرة أسعد حظا، خاليا من الإسقاطات والبواعث غير العلمية. (5)

نقد الثقافة الغربية، باتجاهاتها، ومذاهبها، وتياراتها وبيان حدودها من منظور غير غربي وإقامة «علم نقد الثقافة» خارج قانون الفعل ورد الفعل الذي يقوم عليه نقد الاتجاهات المتباينة بعضها للبعض، وقد يكون نقد «الشاهد العدل» أكثر قبولا من نقد الخصوم. (6)

إفادة الغرب ذاته بإعطاء نماذج أخرى من الثقافات؛ حتى يتعرف عليها، فيأخذ موقف المتعلم، ويصبح معلم الأمس تلميذ اليوم فيخف من لديه مركب العظمة كما خف لدى الشعوب غير الأوروبية مركب النقص، وتصبح الثقافات الإنسانية على قدم المساواة في الإسهام في الحضارة البشرية؛ طبقا لمثل

وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا [الحجرات: 13]. (7)

القضاء على تمركز الحضارة البشرية على الحضارة الغربية، وعلى تمركز الحضارة الغربية حول ذاتها؛ فقد وقع ظلم تاريخي على الشعوب غير الأوروبية عندما استبعدت من تاريخ العالم المحوري بعد أن أزاحها الغرب إلى هامش التاريخ أو بداياته الأولى، ونهاية أسطورة أن تاريخ الغرب هو تاريخ العالم، وأن عصور الغرب القديمة والوسطى والحديثة هي عصور العالم، وأن عصور الظلام والانحطاط الغربي هي عصور الظلام والانحطاط للعالم. (8)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٣٤