فإذا ما استطاعت الأمة إيقاف سلبيات التراث والاستمرار في إيجابياته تحققت شروط النهضة الحضارية من الداخل دون ما حاجة إلى «التغريب». (3) سلطة التراث
والتراث ليس مكتوبا فقط، وليس حيا في شعور الناس فقط، بل يمثل سلطة قد تكون أقوى من السلطة السياسية القائمة. دخل التراث في معارك تدعيم السلطة السياسية كما دخل لتأليب حركات المعارضة. وتمثلته أيضا مختلف القوى الاجتماعية. (أ) التراث وحركات المعارضة
لما استتب الأمر للدولة الأموية أفرزت فكر السلطة أو تراث الأمر الواقع، فظهرت سلطوية التصور، وعقائد القضاء والقدر، والإيمان بالقول؛ حتى تستكين الناس وترضى بالأمر الواقع، فالمفضول أولى من الأفضل، وكل شيء في هذا الكون يتم بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولما كانت الدولة الأموية قد اغتصبت السلطة اغتصابا ظهرت حركات المعارضة؛ كل منها يفرز فكرها وعقائدها لتغير الأمر الواقع وكان أبرزها: (1)
الشيعة: التي ترى السلطة الأموية مغتصبة للخلافة التي تم اغتصابها قبل ذلك منذ وفاة الرسول. وصاغت عقائدها في الإمام من أجل فعالية المعارضة ونجاحها: الألوهية (الكاريسمية)، العلم الباطني، الغيبة، التقية، العصمة ... إلخ. وبهذه العقائد يمكن تجنيد الجماهير وطاعة الإمام ونائبه كما حدث في الثورة الإيرانية. (2)
الخوارج: التي ترى أن الإمامة تكون بالاختيار والبيعة لا بالقهر والسيف والترغيب والترهيب كما حدث في الدولة الأموية، وصاغت عقائد تساعدها على المعارضة مثل العمل الذي لا ينفصل عن الإيمان، الإسلام الذي لا يتجزأ، التنزيه الخالص، وجوب الخروج على الدولة، الاستشهاد في سبيل الله كما يحدث أحيانا في الجماعات الإسلامية المعاصرة. (3)
المعتزلة: التي وجدت في الأصول الخمسة بناء عقائديا للمعارضة: التنزيه في مقابل التشخيص، والعقل، والحرية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان الهدف من (المنزلة بين المنزلتين) إيجاد نوع من الوحدة الوطنية تضم جميع فئات المعارضة، ولكنها معارضة فكرية من خلال الوضع القائم وليس خروجا بالسيف.
وقد ظهرت معارضة نشطة دون أن تنتج فكرا للمعارضة مثل معارضة بعض الصوفية عن طريق النصح والإرشاد، ومعارضة بعض الفقهاء قياما بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وممارسة لوظيفة الحسبة. (ب) التراث والقوى الاجتماعية
وقد وجدت القوى الاجتماعية في نظريات التراث واتجاهاته خير سند لها، وتدعيما لمركزها الاجتماعي. كما أنها ساعدت على إفرازها وصياغتها وتحويلها إلى فكر رسمي للدولة. ويمكن وصفها كالآتي: (1)
طبقة الأمراء والحكام أرادت لتزيين مجالسها الشعراء والأدباء والفلاسفة والعلماء. فنشأت الفلسفة والأدب من داخل قصور الأمراء. ومنهم من تقلد الوزارة مثل ابن سينا أو تقلد المناصب العليا مثل تقلد ابن رشد قضاء قرطبة، ومنهم من كان نجم سيف الدولة الحمداني مثل الفارابي. ومن هنا خرج فكر الصفوة، فكرا فلسفيا نظريا، وجد في الفلسفة اليونانية، فلسفة الصفوة أيضا، ما يريد. (2)
طبقة العلماء والفقهاء والمحدثين، وهم في غالبهم ينتسبون إلى الطريقة المتوسطة، لا يهتمون بتغيير الأوضاع الاجتماعية، بل العمل من خلال الأوضاع الموجودة، وهو الفكر الرسمي لأهل السنة الذي أصبح فكر الدولة والذي منه تمت صياغة كل علوم التراث والتي استمرت حتى الآن. يغلب عليه الاتزان والهدوء، ويرفض الدخيل، على عكس الفلاسفة الذين تمثلوا الحضارات المجاورة ودافعوا عنها. (3)
عامة الناس التي انتشر فيها التصوف والذي تحول فيما بعد إلى طرق منظمة قادرة على حشد الآلاف. ولما كان التصوف حركة استبطان ورجوع إلى الذات وترك العالم فقد أيدته الدولة وغذته بالفكر الرسمي الأشعري، فكر السلطة القائم على سلطوية التصور.