تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتمثل شروط النهضة الحضارية إذن في الخلاص من السلبيات التي استمرت في وجداننا القومي أكثر من ألف عام، وإظهار الإيجابيات من كوامن الشعور والتي توقفت منذ حسم الصراع في القرن الخامس الهجري لحساب السلبيات التي تجسدت في الأشعرية، فكر الدولة السنية، والذي ازدوج فيما بعد بالتصوف خاصة في فترة الحكم العثماني، وأهم هذه الإيجابيات هي: (1)

بالرغم من سيادة الإشراق إلا أن العقل استطاع في أصول الدين، خاصة عند المعتزلة، أن يكون أساسا للنقل، فإذا تعارض النقل والعقل يؤول النقل لحساب العقل، وكما قال الفقهاء: «اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح»، ومن يقدح في العقل يقدح في النقل؛ لأن العقل أساس النقل. ظهر ذلك بوضوح عند المعتزلة، فانتهوا إلى التنزيه أي تصور الله كمبدأ عقلي خالص وليس كإله مشخص يقبع في وجداننا القومي كأساس «لعبادة الأشخاص» في حياتنا. كما ظهر ذلك في الفلسفة وتحويل العالم كله إلى تصور عقلي خاصة عند ابن رشد، فالحكمة هي الأخت الرضيعة للشريعة المتحدتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة على ما يقول القدماء. ونحن في نهضتنا الحالية نصارع من أجل العقل وندعو إلى العقلانية وكأنها تراث الغير وليس التراث الذاتي. (2)

بالرغم من جعل الطبيعة مخلوقة من الله إلا أن العلم نشأ للسيطرة على قوانين الطبيعة التي سخرها الله لخدمة الإنسان، فكان الفلاسفة القدماء علماء طبيعة وكيمياء وفلك ورياضة وطب وصيدلة، وفي الوقت نفسه متكلمين وفقهاء وفلاسفة وأدباء. وظهر أصحاب الطبائع من المتكلمين يحللون الكمون والطفرة والذرات في الطبيعة. ونحن الآن في نهضتنا الحديثة خاصة عند أنصار الغرب نحاول من جديد الدعوة إلى العلم وإلى الفكر الطبيعي. (3)

إثبات حرية الإنسان وخلق أفعاله خاصة عند المعتزلة، وأن له قدرة واستطاعة، وأنه قادر على الاختيار بما له من عقل وتمييز، وبما يتمتع به من تدبر وروية، والتأكيد على الغائية والبواعث في الحياة، وإثبات الصلاح والأصلح وأن الله لا يفعل إلا ما فيه مصلحة العباد، بدلا من العشوائية والتشتت والتضارب في الاتجاهات. (4)

بالرغم من أولوية النظر على العمل إلا أن قيمة العمل ظهرت أيضا في أصول الدين، خاصة عند المعتزلة والخوارج، فالعمل هو مقياس الإيمان، ومن لا عمل له لا إيمان له، والعمل هو العمل الصادق الكامل الذي لا يقبل أنصاف الحلول أو المساومة. كما ظهر في أصول الفقه على أنه غاية الشريعة، يتم في الوقت على الفور وإلا كان متراخيا وقضاء. كما ظهر في التصوف على أنه الطريق إلى المعرفة، فالأحوال ثمرات الأعمال. والدعوة إلى العمل منتشرة في الأمثال العامية والأدب الشعبي انتشارها في نصوص التراث. (5)

بالرغم من سيادة بعض القيم السلبية في التصوف إلا أنه ظهرت به أيضا موضوعات الطاقة والحركة والنشاط ومفاهيم الارتقاء والنكوص، والتقدم والتأخر. وقد استطاع بعض الصوفية تحريك الجماهير وحشد قوى المعارضة وتفجير طاقات الناس وتوجيههم في ثورات شعبية عامة. كما استطاع «إقبال» تحويل التصوف إلى طاقة حيوية وحركة في التاريخ توقظ الأمة وتبعث نهضتنا. المهم هو تغيير محوره من الأعلى والأدنى إلى الأمام والخلف حتى تتحقق الوحدة الشاملة بالفعل بين الواقع والمثال، وليس فقط عن طريق الخيال. (6)

اعتبار المصلحة هي أساس الشرع كما وضح في علم أصول الفقه وأن «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وأن «لا ضرر ولا ضرار»، وهي المبادئ المقررة عند القدماء. فقد قام الشرع على الحفاظ على مصالح الناس، وهي الضرورات الخمس: الدين، والعقل، والحياة، والنسل، والمال. وكل ما حافظ عليها فهو شرعي وكل ما هددها فهو غير شرعي. والاجتهاد هو إعمال الجهد للاستدلال، وإبداع حلول جديدة فيها الحفاظ على المصالح العامة.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٢٧