تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

ويستعمل المؤلف مصطلح البرجوازيات، والبرجوازية الصغرى نظرا لاستقرار المصطلح وشيوعه في الفكر العربي المعاصر. أما بالنسبة إلى المراجع فإن نسبة المراجع العربية إلى المراجع الأجنبية كنسبة 1 : 7. فمن بين 162 مرجعا هناك 21 مرجعا عربيا في مقابل 141 مرجعا باللغات الأجنبية منها 17 مرجعا لمفكرين عرب، 47 مرجعا لمستشرقين أوروبيين، وبالتالي نسبة الاستشراق العربي إلى الاستشراق الأوروبي 1 : 3. ولا تدخل في المراجع مؤلفات الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين في دراسة الشخصية العربية الإسلامية!

إن أهم نقد يمكن إذن توجيهه إلى الكتاب هو استعمال التاريخ الغربي والثقافة الغربية كإطار مرجعي تتم الإحالة إليه باستمرار لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي وهو «التغريب» كأساس نظري لتحليل الموضوع. ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين رئيسيين. الأول طول العلاقة بين الأخوة المثقفين في المغرب العربي والثقافة الأوروبية خاصة الفرنسية منها جعل الغرب يظهر في ثقافته كإطار مرجعي حتمي تتم الإحالة إليه باستمرار كما هو الحال قديما وحديثا لدى الإخوة الشوام خاصة في لبنان. والثاني أن الكتاب أصلا مكتوب باللغة الفرنسية ويهدف إلى مخاطبة الجمهور الفرنسي، وبالتالي أصبحت الإحالة إلى الثقافة الغربية ضرورية حتى يمكن للقارئ الغربي عامة والفرنسي خاصة أن يفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي بسهولة ويسر وبالإحالة المستمرة إلى تاريخه وثقافته. ولو كان الكتاب أصلا باللغة العربية للجمهور العربي لما ظهرت هذه الإحالة المستمرة إلى الثقافة الغربية ولتم استعواضها بالثقافة العربية الإسلامية التي يعرفها القارئ العربي والتي يسهل إحالة الموضوعات إليها تقريبا للأفهام.

| ثامنا: حضور الاستشراق وغياب التراث الإسلامي

ولا يحلل المؤلف التراث الإسلامي مباشرة، ولكن من خلال الاستشراق الأوروبي فيعتمد على فلهاوزن كمؤرخ للمسلمين في أسبانيا وبالنسبة إلى معركة بواتييه. كما يحاور جب

Gibb

رأيه بأن أسباب الانهيار هو جمود الفكر الديني. ويرفض تطبيق تصور كاردينار على الغرب في الوقت الحاضر وبالأولى على العالم العربي. كما يظهر المنهج التاريخي الاستشراقي في الجزء الخامس عن الإنسان العربي المسلم في محوره الأول «نقد ذاتي واستنقاصات ذاتية» حيث يتم فيه الخلط بين الإسلام والتاريخ. ويتم الاستشهاد بجاك بيرك في عبارة إيريك

Eric weil

فيما يتعلق باستحالة الفصل بين الشخصية والمصير التاريخي.

1

فالكتاب استشراقي من نوع استشراق جرينباوم ودراساته على الشخصية العربية الإسلامية في التاريخ محددا عوامل السقوط ومسار الانهيار بما يعني ذلك من عدوانية تجاه الموضوع وحقد عليه وتكريس للتجزئة واستئصاله عن ثقافته الخاصة وإحالته إلى الغرب كإطار مرجعي عام، الإسلام مع الغرب، والترك مع المغول، وفارس والصين والهند مع فرنسا وإنكلترا وألمانيا بلا تمايز ثقافي أو حضاري.

وبالرغم من أن الكتاب يتناول الشخصية العربية الإسلامية إلا أنه يميل إلى العروبة أكثر مما يميل إلى الإسلام، وهو تصور أهل الشام أكثر مما هو تصور أهل المغرب الذي اتحد فيه الإسلام بالوطنية دون تدحل عنصر متوسط هو القومية. وينتقي المؤلف من التاريخ ما يؤيد موقفه، ويقرؤه قراءة عربية محدثة لا إسلامية قديمة، وبالتالي يلتقي المؤلف مع الاستشراق من جديد الذي يتحدث عن العالم العربي في مقابل العالم الإسلامي تكريسا للتجزئة وضربا للعرب بالمسلمين وللمسلمين بالعرب، وإذكاء للنعرة العنصرية، وربطا للثقافة بالعرق وليس بالدين. وسواء كان الإسلام أو العروبة فكلاهما يمثل مشروعا للهيمنة على الأمم المفتوحة وفرضا لوحدة تأباها الشعوب! وبالتالي ينتهي الكتاب إلى إنكار العروبة أولا ثم الإسلام ثانيا، ولا تبقى إلا الشوفينية الإقليمية الضيقة والثقافة الغربية المهيمنة.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٠٨