15
ولكن تحولت الفلسفة من هذا النوع عند البعض إلى تفكير طوباوي كما حدث عند مور، وعند دعاة الاشتراكية الخيالية، وأصبحت تعبر عن أماني وتمنيات أكثر مما تعبر عن واقع إنساني. كما تحولت عند البعض الأخير إلى أيديولوجيات تنتهي بالحزبية والتعصب والمذهبية؛ وبالتالي تفقد الفلسفة روح البحث الحر، والقدرة على الحوار. كما تحولت عند فريق ثالث إلى مذاهب سياسية ونظم اقتصادية مثل الرأسمالية والاشتراكية والفوضوية والقومية والنازية والدولية؛ وبالتالي تحولت إلى سلوك عملي تدافع عنه الدولة بالجيش والبوليس، وتفقد الفلسفة قدرتها على النقد الاجتماعي وعلى تغيير الواقع.
16
وقد ارتبطت الفلسفة في تراثنا القديم بمثل هذا اللون من الفكر السياسي والاجتماعي، وظهر بصورة واضحة في علوم الفقه والشريعة أكثر مما ظهر في علوم الحكمة، ولكنه لم يكن فلسفة بالمعنى النظري بل تكييفا للسلوك العملي وتنظيما للحياة العامة. كما ارتبط فكرنا الإصلاحي الأخير بهذا اللون من التفكير السياسي والاجتماعي حتى أصبح هو الغالب على فكرنا القومي، فالتيارات الفكرية الثلاثة في فكرنا المعاصر: الديني والعلماني والقومي، كلها بدأت من الإصلاح والنهضة وتغيير الواقع الاجتماعي، وأعطت الأولوية للعلوم العملية على العلوم النظرية، وحاولت الدعوة إلى تأسيس علوم اجتماعية تنهض بحال الأمة وتعينها على النهضة.
17
ومع ذلك فإن اعتبار الفلسفة تفكيرا في المجتمع وبحثا في علومه يجعلها باستمرار وراء أحداث العصر غير قادرة على تجاوزها. فالعصر إحدى لحظات التاريخ ، والمجتمع إحدى حلقاته، والفلسفة وحدها هي القادرة على رؤية قوانينه الثابتة؛ لذلك ارتبطت الفلسفات الاجتماعية بفلسفات التاريخ، الفلسفة هي القادرة على إدراك الثبات من خلال التغير والماهيات المحمولة على الواقع؛ وبالتالي يظل السؤال النظري مطروحا حتى في خضم أحداث التاريخ. (7)
الفلسفة تحليل للتجارب البشرية لمعرفة ماهيتها. وهي تجارب العصر التي تظهر من خلال وعي الأفراد والجماعات بها. وتشترط الوعي اليقظ القادر على تحويل الوقائع إلى تجارب حية دالة يمكن إدراك ماهياتها بالحدس. كما تتطلب قدرة العقل على تحليل الشعور وإدراك المعاني الشاملة فيه؛ ففي الشعور يعمل العقل، وفي التجربة يعيش الواقع، وكلاهما يكونان وعي الإنسان بنفسه وبالعالم. كما تتطلب القدرة على التخلص من الأفكار المسبقة والآراء المنحازة، ووجهات النظر الخاصة، والتحرر من العادات والعرف والتقاليد والأفكار الموروثة حتى يبدأ الشعور العاقل أو العقل الشعوري عملية الإدراك والفهم بداية جديدة على يقين أولي هو الوعي بالذات وبالعالم. وفي الوقت نفسه يكون الشعور قادرا على قلب النظرة ورؤية الماهيات في التجارب الشعورية التي تعيش فيها الوقائع؛ وبالتالي تنتقل الوقائع المادية من المكان إلى تجارب حية في الشعور الداخلي بالزمان. ولما كان الشعور عاما وشاملا فإنه قادر على إدراك الماهيات الشاملة. ولما كان موضوعيا بلا تحيز أو هوى أمكن لشعور آخر إدراك نفس الماهيات، ويكون الاتفاق على الإدراك هو الموضوعية الإنسانية الجديدة أي الوصول إلى نفس الرؤية من فلاسفة عديدين؛ ومن ثم كان الشعور قادرا أيضا على البحث الحر واستقصاء الموضوع، ورؤية الواقع وعيش التجارب، وطرح وجهات النظر وتجريبها ثم جمعها في رؤية واحدة تكون متحدة مع الموضوع ذاته. ويشتد الشعور وينشط بالانتماء إلى وطن، والانتساب إلى جماعة، والولاء لقضية، والسعي نحو مثل أعلى وتحقيق رسالة، وعلى هذا النحو يخرج الشعور من دائرة التأمل الخالص وتحليل الماهيات إلى العالم الإنساني العريض حيث يتم تحويل الماهيات إلى أوضاع اجتماعية ومواقف إنسانية ووعي بالجماهير ومشاركة في حركة التاريخ. فالتاريخ واقع يحيا، والواقع تاريخ حادث؛ وبالتالي ترتبط الفلسفة بالوعي الفردي والاجتماعي والتاريخي. لا تلعب دور أجيال مضت لتعيد التاريخ إلى الوراء، ولا تلعب دور أجيال قادمة لتقفز على مراحل التاريخ، ولكن تقوم بدور جيلها الحاضر معبرة عن روح العصر ورؤية التاريخ.