تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

| ثالثا: الفلسفة والسلطة

علاقة الفلسفة بالسلطة علاقة قديمة. فالفلسفة التي تظهر في مجتمع تعلن اكتشاف الفكر، وتبين ما غاب عن الأذهان. ولما كان العرف الشائع والأنظمة الاجتماعية القائمة لا يقومان إلا على العقائد الموروثة التي تكون حينئذ أكبر دعامة للنظام، اصطدم الفكر بالسلطة القائمة، سلطة التقاليد الموروثة أو سلطة النظم الاجتماعية. السلطة واحدة ولكنها تتنوع في الظاهر. أولها سلطة الموروث القديم المتمثل في العقائد والعرف والتقاليد والأفكار الشائعة والعادات وما ألفه الناس. هذا الموروث تتمثله القوى الاجتماعية فيتحول إلى سلطة سياسية تستعمله لاستتباب الأمن والمحافظة على الوضع القائم، وتتمثله السلطة الدينية فيتحول إلى مقياس للعقائد ومعايير للصواب والخطأ. ولما كان رجال الحكم ورجال الدين يشاركون في نفس المصالح أي الدفاع عن الوضع القائم، حدث التعاون بينهما ضد حرية الفكر وضد كسر ما هو مألوف والخروج عما هو شائع وهي مهمة الفلسفة ودور الفيلسوف. وغالبا ما يتم اضطهاد الفلسفة باعتبارها الحامل للفكر الحر في لحظات ضعف السلطة وليس في قوتها رغبة في حماية نفسها ضد المفكرين الأحرار، فتعتمد على السيف في مواجهة الفكر، وتقرع الحجة بالاعتقال، والبرهان بالتعذيب، والدليل بالنفي والطرد. وتكون الغلبة في النهاية لحرية الفكر التي تكشف ضعف السلطة وتضع حدا للطغيان. وغالبا ما تفشل السلطة في القضاء على الفكر كما قال نابليون من قبل إثر هزيمته لألمانيا عسكريا ومواجهة «فشته» له بالفكر: «لقد هزم القلم السيف.» إذ يتخذ الفكر حينئذ ثلاثة اتجاهات: الأول ممالأة السلطة وتبرير قراراتها وهو الفكر الرسمي الذي يسود أجهزة الدولة، والثاني مقاومة السلطة في صورة منشورات وكتابات سرية داخل البلاد أو خارجها، والثالث رجوع الفكر مكتوما في صدور الناس، لا يعبرون عنه إلا في الجلسات الخاصة أو علنا في صورة نكات شعبية أو عند بعض الكتاب في الأدب الرمزي. الفلسفة والسلطة إذن نقيضان، إذا غاب أحدهما حضر الآخر. ويشهد بذلك تاريخ الفكر البشري في الصراع المشهور بين الأنبياء والكتبة، بين الفلاسفة والحكام، بين الصوفية والفقهاء، بين المفكرين الأحرار ورجال الدين، وكأن تاريخ الفكر البشري يتحدد أساسا بصراعه مع السلطة. أحيانا يكون النصر للسلطة والهزيمة للفكر وأحيانا أخرى يكون النصر للفكر والهزيمة للسلطة، وهنا تموت الفلسفة أو تحيا.

1

تموت الفلسفة إذن إذا ما انهزمت أمام السلطة وتخلت عن دورها في التمسك بحرية الفكر، ووظيفة النقد، وضرورة التغيير، وحتمية التقدم. تموت في حكم الطغاة وتنتهي في نظم الإرهاب ولو إلى حين حتى ينتصر الفكر وينتهي الطغيان. وأكبر شاهد على ذلك حال الفلسفة في عصر آباء الكنيسة ثم في العصر الوسيط حتى عصر النهضة وبدايات العصر الحديث. فقد كانت هناك عدة اتجاهات في عيش المسيحية والإحساس بها وصياغة عقائدها منذ الحواريين حتى قبل العصر الرابع، عصر التقنين ومجمع نيقيا الأول والانتهاء إلى صياغة واحدة للعقيدة، واعتبار كل ما خالفها كفر ومروق وزندقة وهرطقة. فضاعت فرص اعتبار المسيح عيسى بن مريم إنسانا لا ألوهية فيه كما قال أريوس، وضاعت فرصة التأكيد على الحرية الإنسانية كما قال بلاجيوس، وضاعت فرصة إقامة الدين الوطني المناهض للاستعمار كما حاول دوناتوس. واستمر الحال كذلك حتى العصر الوسيط وخروج دفعة ثانية من الفلاسفة العقلانيين وفي مقدمتهم أبيلار وأنصار ابن رشد اللاتيني دفاعا عن التوحيد وعن سلطة العقل فكان جزاؤهم السجن والتشريد. واشتد الأمر حتى أقيمت محاكم التفتيش، ونصبت قوائم الكتب الممنوعة، وحوكم العلماء وحرق الفلاسفة بدعوى مناهضة السلطة، سلطة القدماء وسلطة الدين. وأمثلة جاليليو وجيوردانو برونو وغيرهم كثيرة. واستمر اضطهاد السلطة للمفكرين الأحرار فيما بعد عصر النهضة حتى شمل فلاسفة التنوير الذين استطاعوا في نهاية الأمر التحرر من سلطان الكنيسة، وكان ذلك نذيرا أيضا بانتهاء السلطة السياسية وبداية الثورات الشعبية. بل وامتد الاضطهاد حتى القرن الماضي بعد ظهور نظرية التطور عند داروين ومناصبة الكنيسة له العداء، ولكن انتصار العلم بعد انتصار العقل جعل السلطة تتوارى داخل حدودها الطبيعية وعدم خروجها عن ميدان العقيدة.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٠