1
وقد كان متبعا من قبل في تراثنا القديم خاصة في علوم التصوف وفي علم أصول الفقه وإلى حد ما في علوم الحكمة،
2
وهو أيضا المنهج الذي يطبقه كل المفكرين على غير وعي منهم سواء كانوا علماء أو فلاسفة أو حتى أدباء وفنانين، فلا شيء يحدث في الخارج إلا ويحدث في الشعور، ولا شيء يتم إدراكه في الخارج إن لم يتم إدراكه في الشعور، وهو المنهج الذي يستعمله بسطاء الناس وعامتهم في حياتهم اليومية في إدراكهم وتعبيرهم وتحديد مواقفهم. فالإنسان لا يستطيع أن يفهم أي موضوع إلا من خلال التجربة. والموضوع تجربة معاشة في شعور الإنسان لا يستطيع أن يفهمه إلا إذا أدرك دلالته أو معناه، ولما كانت التجارب البشرية مطردة وقوانين التاريخ وتطور المجتمعات واحدة، فإنه يمكننا فهمها بصرف النظر عن اختلاف العصور والأجيال، فنحن قادرون على تذوق الآداب القديمة وفهم الفلسفات الماضية وإدراك المواقف الإنسانية للعصور السابقة. فالماهيات واحدة، والمعاني قائمة ومستقلة عن حواملها التاريخية، ويمكن إدراكها بالحدس، يكفي إعادة بناء الموقف، وعيش التجربة واتحاد الذات بموضوعها. ويتفق على حدس الماهيات عديد من الباحثين والقراء على السواء دون ما خلاف على النتائج. وتلك تطابق الحكم الصوري مع الواقع المادي. فهذا التطابق ادعاء لا وجود له لأن الحكم والواقع لا يوجدان إلا في التجربة المعاشة ؛ فالصدق في التحليل والبداهة في الإدراك هما مقياسان لصحة تطبيق هذا المنهج في مثل هذا الموضوع: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ وقد قام هوسرل واضع هذا المنهج بتطبيقه في نفس الموضوع متسائلا عن إفلاس
Bankrott
الفلسفة على يد الحسيين التجريبيين من أمثال هيوم، وكيف يمكن زيادة رصيدها.
3
بل إنه لا يكاد يخلو فيلسوف واحد من وضع هذا السؤال، كل على طريقته ولتدعيم مذهبه. ولكن هوسرل هو الذي وضع السؤال على مستوى الوعي الأوروبي كله. فالموت والحياة ظاهرتان للوعي التاريخي الفردي والحضاري، وليس على مستوى معين صوري أو مادي أو وجودي.
ولما كان كل باحث اليوم ذا شعور مغترب نظرا لسيادة الحضارة الأوروبية وانتشارها خارج حدودها فإنه يجد نفسه لا محالة بصدد تحليل الشواهد والأمثلة التاريخية من داخل الحضارة الأوروبية وكأن الغرب هو العالم كله، وكأن تاريخ الفكر الأوروبي هو تاريخ الفكر الإنساني، وكأن الحضارة الأوروبية خاصة في العصور الحديثة هي الممثلة الوحيدة للحضارات البشرية كلها؛ في مصر والصين وفارس وما بين النهرين وفي أفريقيا وفي خليج المكسيك. وحرصا على هذا التحرر من هذا التحيز الحضاري المسبق، ونحن ما زلنا ضحيته، فإن الشواهد والأمثلة التاريخية ستعمم وتتنوع قدر الإمكان حتى تشمل أكبر قدر ممكن من الحضارات الأخرى وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية التي تكون مخزوننا النفسي ورصيدها الفلسفي، والتي ما زلنا نعيشها وتعيش فينا حتى الآن.
4
ولما كان الباحث ذو الوعي المتحرر من الغرب لم يع بما فيه الكفاية إحدى دوائره الحضارية الكبرى وهي دائرة الشرق، فذلك لأن الغرب ما زال يمثل لنا التحدي الأكبر ليس فقط عسكريا واقتصاديا بل ثقافيا وحضاريا، ويكفينا في جيلنا التخلص من آثاره، ويكفينا تحجيمه ورده داخل حدوده حتى يحدث التوازن في وعينا القومي بين حضارتنا وحضارات الغير في الغرب أولا ثم في الشرق ثانيا.
| ثانيا: ما الفلسفة؟
ما هي الفلسفة تلك التي تموت وتحيا؟ وما تعريفها؟ (1)
هل الفلسفة هي البحث الخالص عن الحقيقة المجردة؟ هذا التعريف في حقيقة الأمر نظري أكثر منه واقعي؛ إذ لا توجد حقيقة مجردة بل توجد حاجات ومطالب وأهداف وبواعث وأوضاع اجتماعية محددة في عصور وأمكنة معينة. المجرد لا وجود له في الذهن ولا في الواقع لأنه معاش في تجربة أولا بما في ذلك المفاهيم الرياضية والتصورات المنطقية. ولم يكن هناك على مدى الفكر البشري أي بحث مجرد عن الحقيقة حتى ولو أعلن الفيلسوف ذلك لأن الشمول مطلب إنساني يتجاوز به الإنسان حدوده الفردية والاجتماعية والتاريخية، لذلك كانت الفلسفات الصينية - وفي مقدمتها الكونفوشيوسية - فلسفات عملية مرتبطة بسعادة الإنسان على الأرض ونعيمه في هذه الدنيا. كما وجه الإسلام الذهن البشري نحو منافع الأمة ومصالحها وعدم السؤال عن أشياء لا نفع منها أو يأتي منها ضرر: