تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس السؤال: هل ماتت الفلسفة؟ فهي تموت بطبيعة الأحوال وتغير الظروف، وبالوجود الإنساني ذاته الذي قد يمارس حريته ويستعمل عقله وقد لا يمارس أو يستعمل. ويشهد بذلك أيضا تاريخ الفكر الإنساني ولحظات موت الفلسفة ولحظات حياتها، ولكن السؤال هو: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ متى يحدث لها أن تموت، وفي أي ظروف تحيا؟ فالسؤال ليس مجردا بل هو سؤال في الزمان وفي التاريخ داخل الحضارات البشرية ودوراتها؛ وبالتالي فلا توجد إجابة واحدة عامة ومطلقة وشاملة بل هناك إجابات تاريخية محددة في لحظات تاريخية معينة وفي أوضاع اجتماعية وسياسية بعينها تصدر عن مدى وعي الأفراد والجماعات بحركة التاريخ وبقوانين مساره. والسؤال عن الزمان هو في حد ذاته سؤال عن العلة، فالعلة توجد في التاريخ، لحظة زمانية أو مرحلة تاريخية تكمن فيها العلة وتتحد معها؛ ومن ثم كان الحديث عن الزمان والتاريخ هو حديث عن العلل والأسباب. ولا يوجد موت نهائي للفلسفة بل هناك إمكانية بعث لها وعودة الحياة إليها. فالظروف متغيرة، وحرية الإنسان دائمة ومستمرة حتى لو اعتراها الوهن والضعف في بعض اللحظات. لا يوجد موت إلا ويتلوه بعث، ولا توجد حياة إلا ويصيبها الموت أو الهزال. بل إن كل لحظة موت هي بداية لحظة أخرى لميلاد جديد، تموت الفلسفة وتحيا في دورات وبإيقاع منتظم رتيب مثل ضربات القلب أو دفعات النفس.

وليس السؤال في فعل ماض: هل ماتت الفلسفة؟ بل السؤال في الفعل المضارع: متى تموت الفلسفة، ومتى تحيا؟ فليس المقصود هو الحديث عن التاريخ الماضي ورصد حسابه بل الحديث عن الحاضر وكشف مكوناته. فلعلنا باكتشافنا اللحظة الحاضرة نستطيع أن نرى الماضي بوضوح فالحاضر يقرأ نفسه في الماضي. ولا يوجد ماض يأتي بفعل الزمان، والتاريخ لا يثيره الحاضر ولا يبعثه. الماضي ولى، والحاضر بعث له وإمكانية تحقق. وإذا كان الماضي قد انتهى فإن معاركه ما زالت حاضرة، وصراع الأطراف ما زال قائما. الماضي من تراث الآباء والحاضر من إبداع الأبناء، ولكن في مواقف قد تكون واحدة. فما أشبه الأمس باليوم؛ وبالتالي يكون سؤال: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ مسئولية الجيل الحاضر عن موت الفلسفة أو حياتها، وإذا كان الماضي عند البعض سلبا واستلابا ومحايدة، فإن الحاضر عند البعض الآخر التزام ونقد ومقاومة.

ولما كنا نحن الآن في نهاية فترة وبداية أخرى، نتحدث عن الانهيار والنهضة ونذكر الانحطاط والبعث، ونواجه التوقف والاستمرار فمن الطبيعي أن يكون سؤال: متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟ موجها إلينا في جيلنا، واضعا إيانا مع مشكلتنا الجوهرية التي نواجهها منذ عدة أجيال منذ الطهطاوي والأفغاني وشبلي شميل ألا وهي النهضة، شروطها ومقوماتها وطرقها وغاياتها، وكان من الطبيعي الدخول في الزمان في التاريخ فلعلنا نكتشف لدينا وعيا بالزمان وإحساسا بالتاريخ يمكننا من الإجابة على السؤال. وإذا كنا على حافة دورتين حضاريتين؛ الأولى هي التي حددها ابن خلدون ووصف مسارها في المقدمة؛ والثانية هي عصر الانهيار الذي قد شارف على النهاية منذ نهاية القرن الرابع عشر الهجري وبداية الخامس عشر، فإن لدينا التجارب العصرية التي تجعلنا قادرين على رؤية موت فلسفة وحياة أخرى. مجتمعاتنا في لحظات التحول من التقاليد إلى التحرر، ومن التراث إلى التجديد، وفي هذه المرحلة من مسارها يكون السؤال ذا دلالة، وتحمل الإجابة عليه تجربة حضارية لمجتمعاتنا الناهضة قد تساعدنا على تقوية وعينا باللحظة التاريخية الراهنة.

لذلك كان من الطبيعي أن يكون المنهج المتبع هو منهج تحليل التجارب الشعورية لجيلنا والتي يعيشها المفكر أو الفيلسوف، وهو المنهج الذي تمت صياغته باسم المنهج «الوصفي» أو المنهج «الظاهرياتي» أو المنهج «الفينومينولوجي» في التراث الغربي في الفينومينولوجيا المعاصرة.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٣