2
يهدي كانط كتابه إلى أحد الأساتذة في جامعة جوتنجن، ولكنه في الحقيقة يوجه كلامه إلى الحكومة المستنيرة التي تخلص العقل الإنساني من قيوده، والتي تدفع كانط إلى التفكير بحرية تامة. ويتضح من كلام كانط أنه يسخر ولا يتملق، ويستعمل المدح أسلوبا للذم، فيصف الملك فردريك وليم الثاني بأنه حاكم شجاع شريف صديق للبشر، ويجد له العذر في سن تلك القوانين ضد الحريات، وأنه إنما فعل ذلك نتيجة نصيحة رجل دين. هذه القوانين هي التي كانت السبب في منع كتاب كانط الأول «الدين في حدود العقل البسيط». ويذكر كانط أجزاء من خطاب الملك له، يتهمه فيه بسوء استعمال الفلسفة لتشويه العقائد الدينية الأساسية في الكتب المقدسة، والنيل منها، وكما سبق له ذلك في «الدين في حدود العقل البسيط»، ويحذره من العودة إلى ذلك، ويرجوه الانتباه إلى تربية الشباب، وأن يكون معبرا بإخلاص وصدق عن مقاصد الحاكم، ويهدده بالعقاب، ويحذره من الوقوع في المستقبل في مثل هذه الأخطاء، ويرد كانط على خطاب الملك، وينشر رده مع الخطاب في مقدمة الكتاب، ويمدحه بأنه شجاع شريف، محب للبشرية، وأن كانط يضع تحت أقدامه برهان خضوعه المتواضع، ويدافع عن نفسه. هل خاف كانط، أم أنه كان يتملق، أم أنه مثل ديكارت كان خبيثا يستعمل المدح في معرض الذم، ويريد لدعوته أن تنجح أفضل من أن يفشل ويموت شهيدا؟ يرد كانط على الاتهام الأول أنه باعتباره أستاذا للشباب، فإنه لم يخلط في دروسه بين حقائق المسيحية وحقائق الفلسفة، والدليل على ذلك اعتماده على ملخصات باومجارتن التي ليس فيها مادة من الكتاب المقدس، أو العقائد المسيحية، بل مجرد مادة فلسفية خالصة. وباعتبار كانط مربيا للشباب فإنه لم يورد في كتابه «الدين في حدود العقل البسيط» ما ينال من دين البلاد، بل إنه كتاب غير مفهوم للعامة، مجرد مناقشات أكاديمية غامضة، تخص المؤسسات التعليمية والتي تحرم الدولة نشرها وذيوعها إلى العامة. ليس في الكتاب مدح أو ذم للمسيحية يرفع من شأنها ولا يقلل منها، بل مجرد بيان للدين الطبيعي والاستشهاد بالنصوص الدينية للبرهنة على بعض العقائد العقلية. ولا ضير أن يتفق العقل مع الوحي، وأن يعطى الإيمان صفات الشمول والوحدة والضرورة. إن جوهر الدين هو العمل الخلقي، ما يجب أن يكون في مقابل الوحي الذي يعتمد على التاريخ، ليصبح الإيمان في هذه الحالة حادثا عرضيا، زائدا وزائفا. مهمة الوحي مهمة خلقية خالصة، والعمل النظري العقلي يكمل بالعمل الخلقي، خاصة فيما يتعلق بتحويل الشر في الإنسان إلى خير، وتجاوز الخطيئة بالخلاص، واعتقاد الإنسان بضرورة الحياة الخيرة. ويؤكد كانط احترامه الإيمان وعقائد الكتب المقدسة والمسيحية ويثني على الكتاب المقدس باعتباره أفضل دليل مرشد للمحافظة على الدين الوطني القادر على تربية النفوس، وأنه لمن العار توجيه أي اعتراضات أو إثارة أي شكوك حول العقائد النظرية أو الأسرار الإلهية التي ينص عليها الكتاب، سواء في المدارس أم المؤلفات، وإن كان يسمح بذلك في الكليات وحدها. إن أكبر ثناء على الكتاب المقدس هو اتفاقه مع الإيمان الخلقي والعقلي. وعلى هذا النحو يمكن إعادة تأسيس المسيحية، وليس على التعالم الديني الذي يدل على تزييف المسيحية. ويرجع كانط في النهاية الموضوع كله إلى ضميره، أمام قاضي العالم الذي يعلم ضمائر البشر، وهو في هذه السن المتقدمة، واحدا وسبعين عاما.
أما بالنسبة للموضوع الثاني، وهو التزام كانط - كما يطلب الملك - بعدم العودة إلى مثل هذه الكتابات، فإن كانط يستسلم في الظاهر مؤكدا أنه أكثر الرعايا إخلاصا لسمو الملك، وأنه سيتوقف عن أي عرض للدين الطبيعي أو لدين الوحي للجماهير، في دروسه أو في كتاباته، على عكس عادة فلسفة التنوير في فرنسا التي تحولت إلى ثقافة شعبية جماهيرية، فجندت الجماهير حتى انطلقت الثورة. وبالرغم من أن كانط على يقين من العواقب الوخيمة الناشئة عن إبعاد الإيمان عن العقل، إلا أنه يعد بفعل ذلك. ويبين إحدى هذه العواقب، وهي هروب التلاميذ إلى كلية الحقوق، هربا من لجنة الإيمان التي تفحص إيمان الطلاب، وتفتش في ضمائرهم عند التحاقهم بكلية اللاهوت، بالرغم من أنهم لم يدركوا مدى النفع في كلية الحقوق إلا فيما بعد. أما الذين يقبلون في كلية اللاهوت، فإنه يجب عليهم التوبة أولا أو طلبها. ويدعو كانط إلى توقف أعمال مثل هذه اللجنة تحقيقا للصالح العام، وللخير الاجتماعي، ولصالح العلم الذي أقيمت لأجله المدارس والمعاهد والجامعات. وينهي كانط خطابه للملك بالتأكيد على ثقته بحكمة الحكومة، وعلى رأسها مثل هذا الحاكم المستنير الذي يريد تقدم العلوم كلها، وليس اللاهوت وحده، ويبغي تقدم الحضارة ضد كل مظاهر التعتيم والتعمية.