Pietism
مثل شبنر
Spener
وزنزندورف
Zinzendorf
لدرجة الخلط بين ما فوق الحس وما فوق الطبيعة. ومما لا شك فيه أن التصوف أعلى من السلفية، ولكنه من الناحية العملية ينتهي إلى النتيجة نفسها، أي هزيمة الإرادة؛ إذ إنه ليس هناك دين حقيقي، إلا إذا تأسس في «نقد العقل العملي».
فإذا ما تخلص الشعور من قهر السلطة الدينية، والسلطة السياسية على السواء، فإن عليه أن يؤكد نفسه في الخارج، وأن يتحرر أيضا من العقبات الاجتماعية؛ وبالتالي تعتمد ممارسات الإرادة على مقدار ما تحققه المؤسسات السياسية من ليبرالية. هناك إذن علاقة بين الجهد الفردي وتكوين المجتمع، بين إرادة الفرد والنظام السياسي، ولكن كيف يمكن إيجاد صيغة مثلى لهذه العلاقة؟ هنا يطرح كانط سؤال التقدم الذي شغل فلاسفة التنوير. يقول كانط: إن بعضهم يظن أن النوع الإنساني في سقوط لا يمكن تفاديه أو التخلص منه، ويظن بعضهم الآخر أن التقدم حادث ضرورة، يوما بعد يوم، وكأنه قانون طبيعي، لا يمكن أيضا تجاوزه، ويظن فريق ثالث أن النوع الإنساني متوقف في مكانه، وأن كل تغيير له عبث. يرى كانط أن هذه الإجابات الثلاث خادعة، ولا تصدقها التجربة. إنما الإيمان بالتقدم لا ينتج إلا من ظهور شرعي لفكرة الحق (القانون). وقد شهد المجتمع حادثة من هذا النوع هي الثورة الفرنسية. وبالرغم من أن كانط يدين تطرفها، إلا أنها أيقظت في روح الشعوب حماسا خالصا وتفاؤلا بقرب سيادة القانون وسعادة البشر. لا يهم شكل الحكومة، إنما المهم أن تكون الروح جمهورية، ثم تنتشر هذه الروح شيئا فشيئا لدى كل شعوب الأرض، حتى يتم استئصال النزعة العسكرية، ويتم نزع السلاح وإيقاف الحروب، وهي أكبر مانع أمام التقدم الخلقي. لم يكن لدى عصر كانط ما يسمى بحروب التحرير التي بدأت في هذا القرن، والتي هي من أجل إقرار السلام، وإن كان قد لاحظ أن الحرب هي النتيجة الطبيعية للتعصب والقهر والسيطرة. ويهدف كانط إلى أخذ الإنسانية إلى غايتها القصوى ومنتهاها، وهو التنوير الشامل والسلام الدائم. وما تبقى من حروب ستساعد حتما - بعد أن تتوقف نهائيا - على تحقيق غاية الإنسانية هذه. هذا التفاؤل المطلق عند كانط يتفق تماما مع روح التفاؤل التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، والتي ظهرت لدى جميع فلاسفة التاريخ الذين عبروا عن روح الثورة الفرنسية.
فإذا ما حقق الشعور هاتين الغايتين؛ حرية الفكر، والإرادة المستقلة من أجل تقدم البشرية، تأتي مشكلة البدن التي يعالجها الطبيب، وينشأ الصراع الثالث بين كلية الفلسفة وكلية الطب؛ الأولى تعطي الإرادة والعزيمة الأولوية على أمراض البدن، والثانية تريد أن تجعل «العقل السليم في الجسم السليم». لا يشارك كانط نوفاليس رأيه أن الجسد كله تقوده الروح طبقا للإرادة؛ فكانط لا يترك أرض الواقع ليحلم مع الرومانسيين، ولكن الإرادة لديه يمكن أن يكون لها دور محمود على الصحة البدنية. إن دور الإرادة في الصحة دور وقائي خالص. ويتمثل هذا الدور في نظام التغذية الذي يعتبره كانط قريبا من المبدأ الرواقي. فالبطنة هي التحدي الحقيقي للإرادة. ويرى كانط أن الزواج لا يطيل العمر، فيعاديه، وطبق ذلك على نفسه، فعاش عزبا. ويعطينا في آخر الكتاب معلومات عن صحته ونظام التغذية الذي فرضه على نفسه ويعتذر عن عرض آرائه الخاصة والحديث عن نفسه، ولكن المهم هو صدقه في التعبير عن آرائه القائمة على تجارب شخصية. ويسخر كانط من أعداء الفكر الحي، خاصة اللاهوتيين وآباء الكنيسة، ويؤكد إخلاصه للعقل ضد كل انفعال، فكل ما سوى العقل يستحق الإنسان اللوم عليه.
وقد استمر تلاميذ كانط في محاولة أستاذهم بالرغم من الهجوم عليه، وعلى تلك الثنائية التي تعتصر فلسفته وهذا الصراع بين الأطراف والتناقض أو التقابل بينها، كما هو واضح من العنوان «صراع الكليات». لقد حاولت الرومانسية التي وقع فيها التلاميذ تجاوز الثنائية إلى الوحدة، فابتلعت الذات الموضوع عند فشته، وابتلع الموضوع الذات عند شلنج. وقد عالج كل منهما من خلال مذهبه الفلسفي مشكلة التعليم، فكتب فشته «رسالة العلم»، كما كتب شلنج «دروس في منهج الدراسات الأكاديمية»، ولكن الحلول التي أتوا بها كانت وقتية لعلاج بعض الموضوعات الزمنية، ولكن الدرس المستفاد من الأستاذ هو أن الجامعة ليست مجرد مكان لتجميع العلوم دون أي علاقة بينها، بل يجب أن تتجه كلها نحو غاية واحدة هي الحقيقة. يجب أن يسود الجامعة النشاط العقلي الحر دون أي عقبات من التقاليد أو الأعراف. ولا يجب أن ننسى روح المذهب، تلك البؤرة التي يشع منها نور العلم. ليس البحث عن الحقيقة وظيفة كلية الفلسفة وحدها كما يقول الأستاذ، بل إنها رسالة الجامعة كلها كما يقول التلاميذ.