وفي مرة من المرات في حوش المنزل رأيت عدة دجاجات تلتقط حبات الذرة الكثيرة والمفروشة على الأرض؛ فرشت جلبابي وأخذت ما تبقى من حبات الذرة كي نطبخها ونأكلها. رأتني صاحبة الدجاجات التي تسكن بالغرفة الأرضية وقالت لي: «عيب يا ابن الباش شاويش» فألقيت بحبات الذرة التي كانت في جلبابي، وصعدت إلى أعلى حيث نسكن في الطابق الأول وأنا أشعر بالحزن لما فعلت. فهل أنافس الدجاجات في حبات ذرتها وأنا أكثر منها قدرة على جلب الطعام لنفسي؟
وكان والدي لا يترك شقيقاتي الصغيرات يذهبن إلى دور السينما بمفردهن، فيطلب مني أن أصاحبهن؛ فتفرح البنات، ويلبسن أجمل ما عندهن، ويتزين ويفرحن لرؤية الشارع والخروج. كنا بمجرد خروجنا من باب المنزل يرفعن التنورات ويربطنها بالحزام حتى يقصرن من طولها، ويرقصن على السلم طربا وفرحا يهتفن «هانروح السينما.» وفي سينما مصر بشارع العباسية كان الزحام أمام شباك الرجال أكثر من شباك النساء اللاتي كن يدخلن من باب السينما، ويقطعن التذاكر بعد الدخول حرصا عليهن من زحمة الرجال. ولما نقرت على الباب وفتح لي المسئول ورأى رجلا وأنا مجرد صبي. قلت له «معي نساء» وأشرت إلى شقيقاتي، فأدخلنا من باب النساء، واشترينا بطاقات الدخول للسينما، وسعدنا بالفيلم، وكان عرضا صباحيا.
وأثناء العودة يفك شقيقاتي الأحزمة فتطول التنورات من جديد، وندخل المنزل وكأن لم يحدث شيء قبل دخولنا، وينشرح وجه والدي؛ لأننا عدنا بسلام.
وكان ابن الفران غير موفق في دراسته ويرسب باستمرار على العكس منا، وذات مرة ضربه والده فأحس بالإهانة، وسكب الجاز على نفسه وأشعل النار؛ فأسرعت الأسرة بإطفاء النيران، ولكنها كانت قد تمكنت منه فاحترق ساعداه ووجهه، أخذوه إلى صيدلية الحارة، عالجوه بالزيت، ونصحوه بألا يعرض نفسه للمياه، وهم يربطون ساعديه، ويضعون القطن والشاش على وجهه، أقسم الابن ألا يعود للمنزل من جديد، وكانت له عمات أو خالات يسكن في شارع البنهاوي على مدخل الحارة، فقمنا بزيارته هناك، أكد لنا على عدم عودته بسبب الإهانة التي تلقاها من والده، أجبناه أن الثمن الذي دفعه كان غاليا.
كانت له شقيقة جميلة سمراء ذات صدر بارز، تبدو عليها الجدية، كنت أود أن أقبلها ولكني لم أستطع ولم أعرف كيف.
كان لي صديق عزيز، لا يعرف شيئا في العلم، وكان يأتيني؛ لكي أشرح له الدروس التي نأخذها في الجامعة، فكنت أفعل ذلك، وشعرت أمه بالجميل فكانت ترده إلينا بإرسال بعض المأكولات، كانت امرأة سمينة على عكس زوجها، وكان الصديق سمينا مثل أمه، ولما رأت الأم أن والدتي حزينة في إحدى زياراتها لنا لأنني نويت السفر إلى فرنسا ولا تدري كيف سأعيش هناك؛ أرادت أم صديقي أن تخفف عن أمي، وأخذت حقيبة السفر التي أعددتها وخرجت بها من المنزل، وذهبت بها إلى منزلها في محاولة منها لمنعي من السفر، ذهبت إليها شارحا لها ضرورة الذهاب إلى فرنسا؛ لأنه لا مستقبل لي هنا في مصر؛ فلست معيدا في الجامعة بعد اضطهاد الأساتذة لي، ولا أرغب أن أكون مدرس ثانوي لتدريس الفلسفة للطلبة في المدارس، بعد أن وصلني بالفعل خطاب تعيين بإحدى مدارس بنها الثانوية.
وشرحت لها أنني أريد مواصلة تعليمي هناك، والحصول على أعلى الشهادات، وأنني أريد أن أجرب حظي، وأنه لا خوف من عدم وجود المال اللازم؛ فأنا قادر على اكتسابه هناك عن طريق تدريس اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية لإجادتي إياها. خجلت أم صديقي من نفسها، وأعجبت بطموحي؛ لأنها ترى أن ابنها غير موفق في دراسته وأنه لولا مساعدتي له في المذاكرة لما استطاع أن يتخرج من الجامعة.
ولما انتقلت شقيقتي الكبرى الابنة البكر لأمي من دشنا في محافظة قنا بعد خطبتها من أحد أقاربنا، انتقلت إلى مدرسة شبرا بجوار سكنها الجديد. وكانت والدتي تنتظر أن تساعد الأسرة بجزء من مرتبها؛ لأن مرتب والدي كان لا يكفي، ولكن شقيقتي الكبرى لم تفعل، فذهبت والدتي إلى باب المدرسة، وانتظرتها حين الخروج، وكما تقول الرواية دفعتها من صدرها وقالت لها شيئا يبين عدم وفاء الشقيقة/الابنة لأسرتها الأولى، والتضحية لصالح أسرتها الثانية.