تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولد والدي ووالدتي في بني سويف، وكان جدي والد الوالد تاجر دقيق، وله محل بجوار محطة القطار، ما زال موجودا حتى الآن، ساعدته في العمل زوجته الثانية النشطة بعد وفاة زوجته الأولى، وكان الحاج حسنين جدي أحمر الوجه، وليس أسمر كباقي سكان المحافظة، فلما سألته عن السبب قال لأنه نازح من الأندلس بعد خروج العرب منها، فاستقر في المغرب العربي، ثم نزح إلى مصر وهو في طريقه إلى الحج، وسكن حي المغاربة بجوار جامع الشيخ في الإسكندرية، ذهب إلى الحج وعاد واستقر في بني سويف.

ولدت شقيقتي الكبرى في بني سويف، وكان لجدتي أم أمي (الحاجة يامنة) أربعة منازل ريفية في وسط العاصمة، كل منزل من دورين، تعيش من دخلهما، كما كان لها بنتان؛ والدتي وخالتي، وابن ثالث توفي في حادثة لا أذكر كيف، غرقا أم انهيار منزل عليه.

ولما كبر والدي ووصل إلى سن الجندية أراد أن يزوجه والده قبل أن ينزح إلى القاهرة؛ فذهب إلى الحاجة يامنة وطلب منها ابنتها نبيهة لابنه. وكانت الطفلة نائمة، فكشفت جدتي الغطاء عن وجهها، ونظر إليها؛ فسألوه: هل تعجبك؟ قال: نعم. فاستيقظت أمي وكانت قد خطبت وتستعد للزواج.

وكانت منازل جدتي خلف المركز بجوار مدرسة زعزوع، وكان جدي والد والدي يقيم في آخر شارع الجبالي بالقرب من محطة القطار، وذلك قبل زواجهم.

أما خالتي فقد تزوجت عدة مرات ولكنها كانت عقيما، وكانت جدتي «يامنة» قد قسمت منازلها الأربعة على ابنتيها؛ نبيهة أمي، وخالتي أم عبد الله، وكانت خالتي تشتري بنصيبها أساور ذهبية ترتديها طوال الوقت؛ ولذلك طمع فيها الأزواج وهم يعلمون أنها عقيم ويتزوجونها طمعا في مصاغها.

أما والدتي فكانت تأتي بنصيبها إلى القاهرة، تعين به والدي على الصرف، واحتياجات الأسرة.

وكان هناك رجل طويل القامة، أحول العين، يضع طربوشا مائلا على رأسه كما يفعل الأفندية الكبار، كان زميلا لشقيقتي الكبرى في دشنا بمحافظة قنا، أتى إلى القاهرة في الصيف؛ ليتعرف على أسرتنا قبل أن يطلب يدها للزواج، وكان كريما يحضر لنا الهدايا، خاصة الحلوى للصغار، واعترضت والدتي على هذا الزواج الذي يجعل ابنتها البكر تعيش بعيدا عنها في أقصى الصعيد؛ فرفضت.

وكان لي أخ صغير توفي بعد ولادته، وليست لنا مقابر في القاهرة؛ فأخذته جارتنا، ودفنته في مقابر أسرتها، وبكت عليه بكاء مصطنعا. وكان زميل شقيقتي الكبرى حاضرا في مراسم الدفن، ويبدو هو الآخر متأثرا بما حدث، وكان اسم الطفل «علي».

كانت هذه الجارة تسكن في الطابق الأرضي، في غرفة تقع على مدخل الباب الأيمن، مع أسرتها وبلا رجال، كانت الغرفة أقرب إلى الظلام منها إلى النور، يبدو أنها كانت غرفة لسكن البواب، ولكن لم يكن هناك بواب. ولما تعددت أفراد الأسرة أخذوا مكان تحت بير السلم وجعلوه غرفة ثانية. وكان به دورة مياه، كنت أخاف ممن يسكن تحت بير السلم، فقد كانت الأساطير تقول يومئذ إن العفاريت يخرجون منه للقبض على من يصعد. فعجبت كيف يعيش هؤلاء وينامون في هذا المكان المسكون بالعفاريت!

ولما علمت والدتي أن جارتنا الأخرى قد حركت بلاطة من أرض الغرفة أو بلاطتين كي تصطاد صفائح السمن من المخزن أسفل شقتها، وبعد أن عرف صاحب تجارة الجملة وأحضر الشرطة للتحقيق، فوجدوا أن البلاط قد خلع من الشقة التي فوقها، ولما علمت والدتي بهذه الواقعة استخدمتها في مشاجراتها مع صاحبة الشقة، كما هي العادة في الأحياء الشعبية عندما يتشاجر النساء لأتفه الأسباب لكي تبين كل واحدة مهارتها في السباب كما يبين الرجال مهاراتهم في الضرب بالعصا.

وفي صبيحة يوم خرج والدي إلى الشارع كي يشتري شيئا ما، وفي الوقت نفسه الذي خرج فيه زوج الجارة سارقة صفائح السمن من المخزن، خافت والدتي أن يصطدم الرجلان، وقفت تنتظر وتنظر من الشباك عودة والدي، وبالفعل كان والدي ضخم الجثة لكنه طيب القلب، لا يعرف متى يتشاجر؟ ومتى يبتعد عن المشاجرة؟ ولما رأى والدي زوج المرأة السارقة يتقدم إليه ليعاتبه على هذه المشاجرة وكان الزوج قويا يعمل بمعسكر الإنجليز قال لوالدي: «أنت مجرد عنزة» فاضطرب ولم يكن ينتظر مثل هذا القول. وعاد إلى المنزل، وفرحت والدتي بعودته سالما تماما؛ إذ إنه شعر بالإهانة وهو الشاويش بالجيش، له زملاء وطلبة كثيرون علمهم العزف على «الترمبون» ومنهم «علي إسماعيل». فشعرت أنا أيضا بالإهانة لأنني كنت أحترم والدي، وأكره الجارة السارقة بالرغم من جمالها وبياض بشرتها.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٩٦