تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخطورة في الذكريات أن يتناولها أحد بالزيادة والنقصان؛ زيادة ما يحب، وإخفاء ما لا يحب؛ الكشف عما يريد أو التستر على ما لا يريد ظانا منه أنه يحافظ على مركز صاحب الذكريات. ويتم ذلك إراديا وليس بالفعل الطبيعي للذاكرة والنسيان، بل إن إكمال الصورة وإبرازها على نحو غير ما هي عليه يقرب من المغالاة؛ فقد توصف بالكذب إذا زادت عن حدها، وأصبحت أكبر من جزء للصورة الأولى، تعظيما للنفس أو إقلالا من شأن الآخرين.

ومن القضايا المنهجية الصلة بين الخاص والعام؛ فهل كل ما يحدث وتستدعيه الذاكرة هي ذكريات؟ وماذا يفيد الناس أنني جعت أم شبعت، نمت أم استيقظت، عريت أم لبست؟ لا يهم إلا ما له من دلالة على الفقر، ونشأة الوعي مبكرا؛ فالذكريات هو مجموع الدلالات للأحداث وليس الأحداث ذاتها كما يفعل الخبر الصحفي للناشئين. لا يهم إلا ما له علاقة بالفكر أو الوطن كما عرضت في «هموم الفكر والوطن»، وهو ما يشغل كل الناس في اللاشعور بعد أن انشغل الشعور بمشاكله في الحياة اليومية كالغذاء واللباس والإسكان والمرض، وكيفية تكييف حاجاته مع دخله المحدود. ومع ذلك لا تنفصل الذكريات عن البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نشأت فيها؛ فهي أقرب إذن إلى علم النفس الاجتماعي عن الوصف التقريري.

والخطورة أيضا في عدم ضبط الميزان بين الذاكرة والخيال؛ فقد يتذكر الإنسان شيئا إلى المنتصف دون النصف الآخر، فيأتي الخيال لتكملة الصورة؛ فالموضوع نصفه ذاكرة ونصفه خيال. والسؤال هو: هل الخيال يكمل الذاكرة أم إنه يفارق الذاكرة بدافع الإبداع الفني؟ نصفه فلسفة ونصفه فن، بدايته صدق ونهايته أقل صدقا ولا أقول كذبا؛ فالذاكرة تحتاج أحيانا إلى ضبط وتوضيح وإكمال. لا يطبق على التذكر مقياس الصدق في العلوم الطبيعية المتطابق مع التجربة ولكن الصدق مع النفس. لا يعني ذلك وجود منطق للتذكر فإنه يظل فعلا حرا يقوم على الاستبطان والتداعي، بصرف النظر عن الترتيب الزماني، وهذا سبب التكرار أحيانا كما هو الحال في الموسيقى؛ إذ يتكرر اللحن من المقدمة إلى الوسط إلى النهاية. وكما هو الحال في القرآن الكريم مثل

فبأي آلاء ربكما تكذبان

في سورة الرحمن؛ لذلك يصعب ذكر فهرس تفصيلي بحوادث معينة؛ لأن ذلك يفصل المتصل كما يقول برجسون. يكفي المراحل الكبرى التي تختلف الذاكرة عليها.

وبالرغم من حرصي الدائم على التوازن الكمي بين الأبواب والفصول إلا أن الذكريات حكمت نفسها بنفسها؛ فهناك تجارب شكلت شخصيتي مثل إقامتي في باريس عشر سنوات ورئاستي للقسم ومحاولة تأسيس مدارس فكرية ولا أقول فلسفية، وتعمقت في شعوري وأصبحت لا تنسي، في حين كانت أجزاء أخرى أصغر مثل أحزان خريف العمر وتمنياتي المتفائلة، والمستقبل المفتوح.

ومعروف في دراستي «التراث والتجديد» أنني لا استعمل ضمير المتكلم المفرد «أنا» أو «الجمع»؛ فالعلم موضوع وليس ذاتيا. أما الذكريات فإنها تجمع بين الذات والموضوع من خلال الذات؛ ومن ثم لا ضير في استعمال ضمير «الأنا المتكلم»؛ فالتجربة ذاتية، وهو مصدر الذكريات الذي يجمع بين الذات والموضوع في علاقة متبادلة بينهما. إذا رأى الكاتب سكنه القديم هاجت فيه الذكريات، وإذا تذكر شيئا أكمله بالخيال الذي هو الوجه الآخر للذكريات.

وقد تتكرر بعض الإحالات، ولكن لكل سياقها ومدى عمومها أو تفصيلها؛ فالذاكرة لا تعرف التنظيم والتنسيق والرسم الهندسي؛ فالكتابة هي استدعاء تلقائي طبقا لمدى عمقها واتساع حضورها في اللاشعور. والحكم بالتكرار هو عدم تميز كاف بين التقرير الصحفي والسيرة الذاتية، بين الوصف والتقرير والإبداع الذاتي.

إن هذه الملاحظات المنهجية لم تأت استنباطا من منهج معد سلفا، بل هي نتاج استقراء كل إشكال صادفني في كتابة الذكريات، وحاولت التعبير عنها تجريبيا، ثم رصدتها نظريا كتمهيد منهجي، أسوة بباقي أجزاء «التراث والتجديد»، وأنا أول من ينقدها، كما تم أيضا من قبل في «محاولة للنقد الذاتي». ومع ذلك أتمنى أن تصل هذه الملاحظات إلى حد «خطوات في المنهج» بعد وضعه موضع النقاش مع من ما يزال يجد فائدة في النقاش الفلسفي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥