تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الذكريات في الصياغة الأولى تسترسل دون جهد كبير؛ فالخطوط العريضة تظهر، والمراحل الزمنية لا شك فيها. وفي الصياغة الثانية بدأت تظهر ما أسقطه النسيان في الصياغة الأولى؛ فبدأت بتجسيد أكثر، يملأ فراغاتها. وفي القراءة الثالثة بدأت تظهر موضوعات جديدة من دائرة النسيان إلى دائرة التذكر. ولو كانت هناك قراءة رابعة لخرجت بعض الذكريات من جوف النسيان؛ فالذكريات بئر له أعماق متعددة، وكلما نزل الدلو أعمق أخرج الماء؛ لذلك يستطيع من عاصروا الأحداث من الأقارب والأصدقاء، التلاميذ والزملاء، بالقراءة الجماعية، أن يصححوا أو أن يزيدوا ما نسيت؛ فالذكرى بارق يلمع ثم يختفي كما صور أحمد رامي في الإهداء. وما كنت أحاول أن أتذكره بالإرادة في قراءة أولى يأتي طواعية في القراءة الثانية؛ فتسلسل الذكريات ليس فعلا إراديا بل هو تيار جارف يأتي ويذهب. وهناك فرق بين الذكريات السطحية؛ أي مجرد تسجيل الأحداث، والذكريات العميقة التي أثرت في الوجدان، وتركت آثارا في الشخصية. الأولى سرعان ما يأتيها النسيان، وتكون على هامش الذاكرة. والثانية تكون في أعماق الذاكرة ولا تنسى، وتكون جزءا من الشخصية.

وهناك إشكال يظهر خاصة في الجزأين الأخيرين وهو: هل تستدعي الذكريات الأحياء مع الأموات، الحاضرين مع الراحلين؟ لا حرج في استدعاء ذكريات الراحلين، ولكن ماذا عن ذكريات الحاضرين؟ وكيف تستدعي ذكريات الحاضرين وقد تكون بعض المثالب مما يستدعي الحرج أو ما يظن أنه تجريح وتعرض بالمذكور؟ وكلهم أصدقاء وزملاء في الظاهر أو في الظاهر والباطن. ويصعب ألا يتعرف عليهم، بالرغم من عدم ذكر أسمائهم. والحل الوسط ذكر النماذج الجامعية دون إشارة إلى أحد بالاسم، ومع ذلك يمكن تعيين الأسماء بهذه الطريقة عن طريق هذه العلاقات مثل التخصص أو النشاط العلمي أو العلاقات الاجتماعية. ومع ذلك ظل استدعاء أسماء الأعلام مسألة مثارة لا أدري ماذا أفعل فيها رغبة في أكبر قدر من العمومية، ورفعا للإحراج، والزمالة الطويلة التي تجاوزت نصف القرن؛ فإذا ذكرت أحرجت، وإن لم أذكر تاهت الذكريات ووقعت في ضبابية، وهي مصدر المعرفة. وسألني أحد الأقارب أو الأصدقاء: لماذا لم تذكرني؟ ذكرت ثم شطبت ثم عدت إلى الذكر من جديد؛ فالأفضل أن يكون الإحراج لي وليس إلغاء الحوادث والأشخاص التي نشأت فيها الذكريات. ثم أحسست في قراءة ثالثة أنه لا بد من ذكر الأعلام حتى تتضح الذكريات في الراحلين فقط دون الحاضرين، ولكن في الهامش؛ نفورا مني من وضع أسماء الأعلام في النص. وأخيرا في قراءة رابعة وأخيرة عدت إلى الخيار الأول بإعادة أسماء الأعلام إلى المتن بمحاسنها وعيوبها؛ ففي العلوم الإنسانية لا يوجد صواب مطلق أو خطأ مطلق . وقد استدعى ذلك إسقاط الألقاب ورموزها مثل «أ.» للأستاذ، «د.» للدكتور، «أ.د.» للأستاذ الدكتور؛ فالذكريات لنماذج بشرية وليس لشخصيات اجتماعية تحرص على ألقابها. ويظل التردد حتى الآن قبل أن أدفع الكتاب إلى المطبعة، وربما يوجد حل نهائي. ووصلت إلى حل وقتي، وهو ذكر أسماء الراحلين دون أسماء الحاضرين، ثم تبرز قضية تلميذي نصر حامد أبو زيد، هل هو من الراحلين أو من الحاضرين؟ هل يدخل في النماذج أم إنه لا تصنيف له؟

وتتفاوت الذكريات في الأعماق. الذكريات الأولى هي الخطوط العامة للسيرة الذاتية والتي تأتي في القراءة الأولى، وعادة تكون ذكريات الطفولة. والثانية ذكريات فرنسا التي كونت الشخصية بعد ثقلها من اختيار النص إلى اختيار الواقع، ومن التقليد إلى الاجتهاد. والثالثة ذكريات العودة إلى مصر خاصة ذكريات الفترة الأخيرة بعد السفر إلى أمريكا والمغرب واليابان، وبعد مزيد من التعرف على الوطن العربي. وأعمق الأعماق هي الطفولة الأولى ومحل الولادة والسكن قبل المغادرة إلى فرنسا، وهي مرحلة الأمل في الاستقلال أو الموت الزؤام ومقاومة الاستعمار والفقر والإقطاع قبل أن تنقلب على نفسها في المرحلة الأخيرة في قرب النهاية؛ مرحلة اليأس بعد عديد من تجارب الإحباط في محاولات النهضة والإصلاح والتجديد والثورة إلى مرحلة الاستبداد والاعتراف بإسرائيل وإقامة كافة العلاقات معها والارتماء في أحضان أمريكا والخليج ووضع نفسها في صفقة القرن.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٤