تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في السنة الأولى كنا في مدرج 74 أو 78، مدرج كبير متدرج مهيب جدير بالجامعة، ومنصة طويلة عريضة تضطر الأستاذ المفكر أن يقوم وراءها، ويتمشى وهو يلقي الدرس. أما الأستاذ الذي يملي فيكفيه الجلوس؛ فضعف الجسد من ضعف العقل. وكانت التقاليد لا تسمح بالاختلاط الكلي؛ فالطالبات في ناحية، والطلبة في ناحية أخرى، ومن يخل بالتقاليد ينظر إليه على أنه يتحرش بالبنات أو إليها أنها تتحرش بالصبيان. وكان أستاذ الاجتماع أحمد الخشاب شابا أبيض قصيرا عازبا يملي ببطء، ويكتب الطلبة والطالبات وراءه، والكل سعيد. وكان ينظر بعين الإعجاب إلى فتاة بيضاء جميلة اسمها إيفون، باستثناء بعض المراسلات العلنية، حادثها مرة علنا؛ قال لها بحنان بالغ: «اسكتي يا إيفون.» فردت عليه بدلال: «مش أنا يا أستاذ.» بالنسبة لي كانت حبا بلا روح في حين أن مواصفاتها كانت تجمع بين الروح والجسد معا وهي الصفات التي أحبها. وتساءلت: ماذا كان جمال حواء؟ وهل أغرم بها آدم وهي الوحيدة الموجودة على الساحة ولم يقارن بينها وبين غيرها حتى يختارها، أم إنها كانت مفروضة عليه؟ وكانت هناك فتاة فلسطينية طويلة بيضاء، بنت عم الأولى، ذات وجه مشرق وصدر بارز، ولها ضحكة أنثوية لدرجة أنني تساءلت فيما بعد: هل أحببت الذات أم الصفات كما تساءل علماء الكلام والصوفية بالنسبة للذات الإلهية؟ ولما سألت عرفت أنها مسيحية من فلسطين، فأهديتها في عيد ميلاد السيد المسيح نسخة من كتاب «عبقرية المسيح» للعقاد مع إهداء فأرجعته لي مع صديق كنت أجلس معه مع قطع مربع الورقة الأولى التي عليها الإهداء، فحزنت؛ فإلى هذا الحد كان البعد ولا أقول الكراهية. حاولت فلم أفلح، كانت متكبرة، تعرف قيمة نفسها، شغلت قلبي، ولكن كيف الوصول إليها وكأنها كانت تهرب كلما اقتربت. وكان يأتيها قريب أو خطيب من كلية الحقوق ليصاحبها؛ فقلبها مشغول، فتدب الغيرة منه، كانت أقرب إلى الصمت منها إلى الكلام. وبعد أن انفصل القسمان، الفلسفة والاجتماع، في السنة الثانية لم أعد أراها كثيرا، وكانت كلما رأتني فرت، لا أدري ما السبب: هل كراهية لي، أم لا تعرفني، أم لأنها مخطوبة لزميلها أو قريبها أو حبيبها الحقوقي، أم للتقاليد الاجتماعية؟ وفي السنة الرابعة علمت أنها النهاية؛ فستغادر إلى فلسطين وتتزوج هناك، وأغادر أنا إلى فرنسا، وتنتهي قصة هذا الحب الصامت. وبعد خمسين عاما كنت بعمان وعرفت إحدى صديقاتي الأردنيات أنها هنا، فدعتها إلى المقهى، أتت لحظات في المقهى ومعها زوجها، مع أني كنت أعد قصة حياتي منذ أن افترقنا؛ فلا خوف مني. وهربت كالعادة وهي تنظر إلى الوراء بأن هذا موضوع انتهى، وأنا أنظر إلى الأمام بأن حب وعشق الروح لا ينتهي كما غنى عبد الوهاب في غزل البنات: «وحب الروح ما لوش آخر لكن عشق الجسد فان.» ثم انتهى كل شيء في زحمة الحياة التي هي أوسع كثيرا من دائرة الحب كما تصور الأفلام المصرية.

وكانت مجموعات الإخوان تقعد في حلقات على الحشيش الأخضر في حرم الجامعة قبل أن تحاط بسياج حديدي كما هو الحال الآن، يتدارسون، وكان يمر عليهم حسن دوح خطيب الجامعة المفوه، ويلقي التحية، وبالمثل كان عبد المنعم أبو الفتوح الذي أصبح مرشحا رئاسيا منذ سنين. وفي يوم داخل الحرم الجامعي انقلبت سيارة مشتعلة نارا، ولا أدري إذا كانت سيارة الأمن الذي كان لا يسمح له بدخول حرم الجامعة أو سيارة الإخوان بها نواب صفوي زعيم حركة فدائيان إسلام الإيرانية، وهو تنظيم ثوري سابق بإيران على الثورة الإيرانية في فبراير 1979م، فأدركت منذ البداية العلاقة بين الإخوان والعنف كما رأيت، وليس كما سمعت، فتراجعت قليلا لأن حرق عربة داخل حرم الجامعة لا يدخل ضمن النشاط الفكري للحرم. وقبض على كل زملائي الإخوان بالجامعة؛ منهم فلسطيني في قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، وقضي على مستقبله بعد أن أخذ مؤبدا لاشتراكه في المظاهرة، ولم أره حتى الآن، ولا أدري إن كان حيا أو ميتا. وتساءلت: لماذا لم يقبض علي أنا أيضا؟ صحيح أنني لم أكن نشطا إلى هذا الحد، واخترت الإخوان اختيارا فكريا أكثر منه سياسيا. كان هناك ضابطان بالكلية: الأول مبتسم أبيض البشرة، طويل ونحيف نسبيا يصادق الطلاب ليأخذ منهم المعلومات عن زملائهم بدافع الصداقة والحماية. والثاني أسمر عبوس الوجه، مكفهر، مملوء وقصير يخبرنا الأول عنه أنه خطر على أمن الطلاب، ومن الأفضل أن يكونوا ضده، وهو يساعدهم في القبض عليهم. وأخبرني الأول أنهم بحثوا عني، واقتفوا أثري، وتتبعوا حركاتي وسكناتي، فوجدوني إخوانيا مسالما، ولست خطرا، وأن جمع التبرعات لأسر الشهداء والمعتقلين ليس عملا مضادا لأمن الدولة بل إنه يخفف عنهم هذا العبء. هذه رواية. وافتراض آخر أنهم لم يقبضوا علي لأن أخي من الضباط الاحتياط؛ ومن أجل بسالته «وعشان خطره» تركت حرا بشرط ألا أعود إلى المظاهرات من جديد. وبالفعل لم تكن هناك مظاهرات حتى عام 1956م سنة التخرج والمغادرة إلى فرنسا بحرا. وظللت صامتا، كاتما الخوف في قلبي وفي سلوكي، ومقسما العالم إلى أبيض وأسود، حق وباطل، صواب وخطأ، كما فعل سيد قطب في مرحلته الأخيرة بعد أن كان شاعرا، قصاصا ناقدا أدبيا ثم إسلاميا اشتراكيا ثم إسلاميا إخوانيا.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٩