تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت أذهب إلى شعبة الإخوان بباب الشعرية مساء بين الحين والآخر، ثم تعلمت كيف أذهب إلى المركز العام بالحلمية الذي أصبح الآن قسم الدرب الأحمر. وهناك تعرفت على سيد قطب وسألته أنني أريد أن أحول الإسلام إلى منهاج إسلامي عام، فنصحني بقراءة أبا الأعلى المودودي. وتعرفت أيضا على علال الفاسي الزعيم والمفكر المغربي، وسمعته بلهجته المغربية، ورأيته بلباسه المغربي. وكانت المحاضرة الأسبوعية كل يوم ثلاثاء، وكنت صغيرا، وكانوا كبارا. وكنت وأنا ذاهب إلى الشعبة بباب الشعرية أحمل كماني معي فيقول لي أحد الإخوة: ألا تعلم يا أخ حسن أن الموسيقى حرام؟ كيف حرام وهناك موسيقى القرآن؟ وقد استقبل الأنصار المهاجرين بالدفوف والغناء كما حفظنا ونحن صغار، وكما ينشد في الأفلام المصرية:

طلع البدر علينا

من ثنايات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة

مرحبا يا خير داع

ولما قامت ثورة مصدق عام 1953م ضد الشاه وأمريكا لتأميم البترول، وهرب الشاه، اعترض الإخوان في شعبة باب الشعرية وهاجموا مصدق، ووصفوه بأنه شيوعي، وأيدوا آية الله الكاشاني صديق الشاه، وعلقوا على جريدة الحائط الهجوم على مصدق ومدح الكاشاني، فغضبت وطلبت الكلمة بأن هذا اتجاه يميني، وأن الإسلام مع التأميم وضد حكم الملوك، وأن الأفضل جعل الشعار كتابا وقلمين وليس مصحفا وسيفين؛ فالمصحف والسيفان دعوة للقتال، والكتاب والقلمان دعوة للعلم.

الفصل الثاني

| التعليم الجامعي (1952-1956م)

وأعلن عن مجانية التعليم في الجامعة، فحصلت على المجانية في الجامعة لثلاثة أسباب: الأول، مجموعي في التوجيهية كان 77,5٪ أي فوق السبعين مما يؤهل للجامعة. والثاني، أنني كنت الأول على القطر في مسابقة الفلسفة التي تؤهل للمجانية. والثالث، قرار الثورة بمجانية التعليم الجامعي أسوة بالتعليم العام. ولم يكن هناك تردد في الالتحاق بكلية الآداب، قسم الفلسفة، وكان قسما واحدا مع علم النفس والاجتماع في السنتين الأولى والثانية، ثم انفصل الاجتماع عن الفلسفة بعد السنة الأولى، ثم انفصل علم النفس عن الفلسفة ونحن في السنة الثالثة. وبقي كلا العلمين كمقررين دراسيين بحيث يدرس علم الاجتماع في السنة الثانية وعلم النفس في السنة الرابعة. ولم يخبرني أحد من أساتذة علم الاجتماع وعلم النفس أو حتى الفلسفة حتى انفصال الفلسفة في السنة الثالثة عن القسمين الآخرين، ربما لأن القرار لم يكن قد اتخذ بعد. وهنا استرعي انتباهي عثمان أمين الذي كان يدرس الفلسفة الحديثة خاصة ديكارت، وكانت طريقته التعليق على ديكارت وتطبيقه على الواقع العربي المعاصر، وكان يقول «بين قوسين» كان ضاحكا مبتسما، يركز على «مقال في المنهج» و«التأملات في الفلسفة الأولى»، وفي الفصل الدراسي الثاني كانط. وكان يطيل في شرح معنى كلمة ترنسندنتال والفلسفة الترنسندنتالية، والتقابل بين البعدي والقبلي. وفي «نقد العقل العملي» كان يركز على الواجب والأخلاق عند كانط، وكناقد فني في «نقد ملكة الحكم». في السنة الثانية في علم الأخلاق، ويقوم بتدريسه توفيق الطويل الأستاذ الثاني الذي استرعى الانتباه من على المنصة، بينما عثمان أمين كان يقف في أسفلها في منتصف القاعة، يدرس واقفا وسائرا على الأقدام، ينقد الأخلاق الوضعية بجميع أنواعها، ويدافع عن الأخلاق المثالية بجميع أنواعها وفي مقدمتها كانط. وكان يسمح بالاختلاف في الرأي وتبادل وجهات النظر، وإذا قرر كتابات في الفلسفة الخلقية فإنه يطلب قراءته ومناقشته بابا بابا أو فصلا فصلا في المدرج.

وكانت الجامعة بالنسبة لي عالما جديدا، سواء من حيث العلاقات الاجتماعية المفتوحة أو من حيث التعليم الذي كان يتراوح بين الإملاء والكتب المقررة من ناحية والتفكير الحر دون إملاء أو تقرير كتاب من ناحية أخرى، وهم غالبا من الشبان، الجيل الجديد؛ مثل أستاذ الاجتماع الذي كان يرتجل ويناقش، وكان ماركسيا يسمى شريف، وتم تطهيره من الجامعة مثل محمود أمين العالم، ولويس عوض، وعبد العظيم أنيس، أو الإخوان مثل توفيق الشاوي من الحقوق في أزمة مارس 1954م. وكان يدرس واقفا أيضا زكريا إبراهيم الذي عاد من فرنسا عام 1955م، وفي صوته بحة أو انسداد سرعان ما ينفتح. وكان السؤال الباطني الذي يدور في نفسي: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفع تدريس العلوم الإنسانية كالاجتماع والقانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ وما العيب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب في أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلا من أن يحفظ كتابا مقررا؟

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٨