تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أليست ترشيح الجماعة العلمية لأحد أعضاء «الشلل» ومنها شلة الغيرة والحقد والحسد والكراهية والعدوان، ويأخذ الترشيح بالإجماع ثم لا يأخذ في مجلس الكلية إلا صوتا واحدا جريمة خلقية؟ ولو أن أحدا من هذه «الشلل» جلس وكتب شيئا ينفع الفكر والوطن لكان خيرا له من التآمر والغيرة والحسد والحقد والكراهية والعدوان. إن محاولة أستاذ تجميع أكبر قدر ممكن من المعيدين والطلاب للدراسة معه، وإعطاءهم الدرجات العلمية في موضوعات متكررة، واستخدام الجيل الجديد لصالح الجيل القديم عندما ينتشرون في الجامعات الإقليمية يسبحون بحمده ويفرضون كتبه في طبعاتها العاشرة؛ هي جريمة كبيرة وانخفاض بمستوى التعليم جيلا وراء جيل، ورغبة في المنفعة وجمع المال، دون أن يرثه أحد لأنه لا ذرية له.

إن تكوين «شلل» صغيرة داخل الجماعات العلمية الكبيرة، تحقيقا لمنفعة، أو تطلعا إلى سلطة، لهو قضاء على الجماعات العلمية نفسها، وعدم إيجاد بديل عنها في «الشلة التسلطية» التي تكبر يوما وراء يوم، بديلا عن الجماعة العلمية الكبيرة؛ وتصبح «الشلة التسلطية» وسيلة للوصول إلى المناصب الإدارية لرئيسها بعد أن أظهر شعبيته ومدى انتشاره وولاء الجماعة العلمية الكبيرة. ويبقى التمركز حول الذات جريمة كبرى في الجماعة العلمية الكبيرة التي تقوم على البرهان وليس على الادعاء، والانتقال بين الشرق والغرب لبيان أنه يعرف الثقافتين، وحين يكتب لا يوجد موضوع محدد أو منهج ملائم أو الوصول إلى نتيجة بعد افتراض علمي يكون البحث تحقيقا له. ويزداد صراخا في المناقشات العلمية لإقناع السامعين برأيه. ويستعمل أكبر قدر ممكن من المصطلحات المعربة ليبين أنه من أصحاب الثقافتين، كما يستعمل بعض المفاهيم الغربية الحديثة ليبين أنه يعرف الحداثة. في حين أن الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية تمران بمرحلتين مختلفتين، الأولى في بداية عصر النهضة، والثانية في نهاية العصر الحديث. ويدعي أنه من أنصار علم «الاستغراب» الذي يقوم على التمييز بين الحضارتين، وتحويل الحضارة الغربية إلى موضوع للدراسة بدلا من أن تكون دائما ذاتا دارسة، وتحويل الحضارة الإسلامية إلى ذات دارسة بدلا من أن تكون دائما موضوعا للدراسة، فهو يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول. ومن علامات الربط بين الغيرة والحسد والكراهية والعدوان انتخبتني لجنة الفلسفة بالمركز الأعلى للثقافة الذي كان يسمى سابقا المركز الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية مقررا للجنة. وكان أحد أعضائها قد صرح بأنه لن يرشح نفسه طالما أني سأرشح نفسي، ولما تغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجلس، وتغير الأمين العام له تم استبعادي من أمانة اللجنة وعين آخر أصغر مني سنا. ولما كان مريضا فلم يكن يحضر إلا نادرا وحضر من هو أصغر منه سنا بالنيابة، فحزنت لهذا العدوان وقاطعت المجلس حتى الآن، والذي كانت قراراته ينقصها الاحترام والتقدير. ولما مر رئيس المجلس الجديد ليفتش على اللجان وأمنائها قال للأمين إن حمامات المجلس ليست نظيفة، وكأنه يقارن بين نظافة الحمام وعدم نظافة أعمال اللجان. وكنت قد قدمت مشروعا مكونا من عدة أجزاء؛ أولا: دور أقسام الفلسفة في مصر، ثانيا: رسالة أقسام الفلسفة في مصر، ثالثا: دور لجان الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة، رابعا: رسالة الفلسفة في مصر، وخامسا: رسالة الفلسفة في الوطن العربي. وربما خشي المجلس من هذا المشروع الذي قد يتعرض إلى الأوضاع السياسية في مصر والوطن العربي والربط بين الفلسفة والمجتمع، أو يخرج الفلسفة من القاعات الجامعية إلى الشوارع والميادين العامة فيتحقق ما قاله الفلاسفة مثل أورتيجا إيجاسيه «ثورة الجماهير» أو ما قاله لينين في «الفلسفة والثورة» و«الدولة والثورة». ودخلت الفلسفة من جديد محجوزة بين الجدران الأربعة لقاعات الدراسة.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٨٣