ولا حرج أن يتعامل بالعلم ظاهرا وبالمصلحة دافعا، ويحول المصلحة العامة إلى مصلحة خاصة؛ فالمصلحة هي البداية والدافع والنهاية. وترتبط بالمصلحة الوصولية أو الانتهازية فيتصل المعيد بالأستاذ ويظل معه صديقا مخلصا وتلميذا راغبا في العلم حتى ينال الدرجتين العلميتين بعد التخرج ثم ينتهي الأمر، ويسير في طريقه الخاص إما بحثا عن انتداب في الداخل ليزيد دخله، أو يوزع كتابه المقرر، أو إعارة إلى الخارج، خاصة لجامعات الخليج؛ لينال قسطا أوفر من المال ليكون ما يساعده على الزواج والاستقرار؛ من شبكة ومهر وجهاز وسكن وسيارة، فينتقل من طبقة اجتماعية إلى طبقة أعلى، ويهجر أستاذه وكأنه لا يعرفه، ويلتصق بدائرة أستاذ آخر أقدر على تحقيق المصلحة.
وقد تكون الوصولية إدارية لا علمية فهي أسرع لتحقيق المناصب، ويعتمد أستاذ آخر على التظاهر بالإخلاص إلى الأستاذ القديم الذي عمل معه علميا، ولكنه في الباطن يسعى وراء لقمة العيش. يأخذ أفكاره من الأستاذ، يضعها في بالونة بلون أستاذ آخر، وبدلا من أن يحفر البئر بنفسه ليصل للماء، فإنه يشرب من بئر غيرها، ينقد أستاذه من وراء ظهره، يبلغ الناس بأن أستاذه يمنعه من العلم والانتشار خوفا منه؛ فالتلميذ قد أصبح أعلم وأقدر وأكثر شهرة من الأستاذ، فيتحول إلى منافق لأستاذه ثم يطعنه في الظهر ظانا أنه يزحزحه من مكانه ليجلس هو عليه.
وآخر يبغي الشهرة، يتخلى عن تخصصه، ويتنقل بين الأدب والموسيقى والشعر، ويستشهد بهيجل وبيتهوفن وجوته، يقنع الناس بأنه واسع الثقافة، ومبدع الفلسفة، ويترك تخصصه الأول دون أن يبدع فيه شيئا. كنت قد حاولت إرسال اثنين منهم إلى الخارج لمزيد من العلم، فذهب واحد وهو يتكلم في علم لا يعرفه الأساتذة الأجانب، وعاد بعلم لا يعرفه الأساتذة المصريون، فرفع نفسه فوق الحضارتين الغربية والإسلامية وما زال يتفاخر بذلك.
ولم يستطع الثاني المغادرة إلى ألمانيا لأنه لا يعرف التعامل مع الحاسب الآلي «الكمبيوتر» ورسب في هذه المادة مرتين، لم يعرف كيف يصوغ جملة اسمية بها مبتدأ وخبر، أو فعلية بها فعل وفاعل. وكانت الجملة عنده يبلغ طولها صفحة بأكملها، لا يعرف كيفية التنقيط والتقطيع لها بالفاصلة والنقطة، يقرأ كثيرا، ويفكر قليلا على غير ما كان يقرأ قليلا ويفكر كثيرا على أفكار أستاذه.
وقد أرسلت آخر إلى ألمانيا كي يحضر حلقات بحث في فلسفة الدين. وبعد شهرين أراد الرجوع لأنه لا يفهم شيئا، ليس فقط لأنه لا يعرف اللغة ولكنه أيضا لأنه لا يفهم موضوع البحث. وأكمل العام الدراسي دون أن ينتج شيئا، يكفيه التعرف على زميلاته في السكن الجامعي.
لم يكتب أحد منهم مقالا فلسفيا في تخصصه أو في الفلسفة العامة، بعد أن قارب أحدهما سن المعاش. وظلا مدرسين دون ترقية إلى أساتذة مساعدين، لم يتصل هؤلاء الوصوليون بي ولا مرة بعد الحصول على شهاداتهم العليا؛ فمهمتي بالنسبة إليهم قد انتهت، ويلتصقون بأستاذ آخر وبدائرة أخرى لعلهم ينالون منهم أكثر مما نالوا مني.
لم أندم على شيء فقد قمت بواجبي تجاه العلم والوطن، ويبدو أن هذا النوع من المعيدين هو الذي يقدمه العصر. فلماذا أبكي على الجامعة وحدها، والوطن أحق بالبكاء عليه؟
ولما أقمت الجمعية الفلسفية المصرية لتنشيط الفكر الفلسفي في مصر، بعيدا عن الجامعات، لم يشارك واحد منهم في نشاط الجمعية، سواء بحضور الندوة الشهرية، أو المشاركة في المؤتمر السنوي، أو ينشر كتابا علميا خارج الكتاب المقرر.
وأخيرا انعزل البعض، وانكمش على نفسه، واكتفى بوظيفته التي يعيش منها؛ فالعزلة أحب إليهم من المشاركة. العزلة بها أمان حتى ولو كان زائفا، والمشاركة مغامرة غير محسوبة العواقب.
ويكون أحد الأساتذة جماعة حوله من تلاميذه، ومن يستطيعون تحقيق مصالحهم الشخصية من خلاله؛ فتحولت الجماعة العلمية الكبيرة إلى مجموعات أو «شلل» صغيرة، يتعاونون معا في الخير والشر، وإن كان في الشر أكثر. وتكبر هذه الجماعات الصغيرة أو تصغر بناء على تحقيق المصالح أو عدم تحقيقها، ويظل الباب مفتوحا لمن يشاء الانضمام، فتتفتت الجماعة العلمية الكبيرة كما تتفتت الأوطان إلى أجزاء بالحروب الأهلية، وكما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ومن لا يستطيع الدخول في مثل هذه المجموعات الصغيرة علنا فإنه يدخل سرا، ويشترك في التآمر المفضوح، وإن ظهرت البراءة على الوجه؛ فقد حدث أن تآمرت مجموعة صغيرة أو «شلة» على اختطاف الجمعية الفلسفية المصرية من مؤسسها. وفي اجتماع الجمعية العمومية أحضرت هذه «الشلة» أكبر عدد من المعيدين وطلاب الدراسات العليا وانضموا إلى الجمعية قبل الانتخاب بساعة واحدة. واختاروا بطبيعة الحال لرئاسة الجمعية ونائبها وأعضاء مجلس إدارتها من تآمر عليها علنا أو سرا. وانطلقت «الزغاريد» لنجاح هذا التآمر الجديد، وإخراج العضو المؤسس وأعضاء مجلس إدارتها منها. واختاروا رئيسا ونائبا ومجلس إدارة جددا ممن اتفقوا عليهم سلفا. ولما رأت وزارة الشئون الاجتماعية والمشرف على الجمعية أن كل من صوتوا في انتخاباتها الأخيرة، أصواتهم باطلة؛ لأن الذي له حق التصويت هو من مر على عضويته سنتان على الأقل. فرجعت الجمعية إلى رئيسها ومجلس إدارتها الأول، وخرج المتآمرون.