تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت إحداهن طيبة القلب للغاية، خيرة، لا تعرف الشر، وكذلك أبناؤها. وكانت أخرى في حالة متوسطة بين الطيبة وبين ما تدفعه إليها الحاجات الاجتماعية، لها ابنة لم تتزوج حتى الآن وقد قاربت على الخمسين نتيجة لظروف الضغط عليها من الاتجاه المحافظ في أسرتها، ولي شقيقة أخرى طموحة في العلم، تجاوزت مدرسة المعلمات إلى كلية الآداب بعد الثانوية العامة، وأصبحت رئيسا لأحد أقسامها، وهي الآن ما زالت وفية لقسمها وتخصصها بعد أن قاومت الاتجاهات المحافظة في أسرتها القائلة بأن البنات يكفيها التعليم المتوسط ثم الزواج. وأحد أبنائها وتقريبا الوحيد الذي يمثل الاتجاه التقدمي في الدائرة الثانية للأسرة، يناقش، ويحاور، وينقد، ويرفض.

أما الدائرة الثالثة في الأسرة وهم أبناء أولاد شقيقاتي فهم ذكورا وإناثا أقرب إلى المحافظة الدينية والاجتماعية، باستثناء واحد منهم، هو الغاضب دائما من عدم تحقيق هدفه في التمثيل في السينما أو المسلسلات التليفزيونية، وكانت تلك هوايته الأولى خاصة بعد أن ظهر في البعض من المسلسلات وأثبت جدارة دون واسطة في الصعود إلى درجات أعلى.

والجميع يرتبط فيما بينهم بأواصر القرابة والمحبة والصداقة، يلتقون في المناسبات، ويتهافتون بين الحين والآخر، ولهم شبكة اتصال فيما بينهم بعنوان «آل حنفي».

وإذا كانت العواطف تتم داخل الأسرة الواحدة بأبنائها وأحفادها، فإن الانفعالات غالبا ما تظهر في جهة العمل، فعادة ما تتم الانفعالات بين الموظفين تطلعا إلى منصب أعلى.

وتتوالد الانفعالات بعضها عن البعض الآخر مثل الغيرة التي تولد الحسد الذي يولد الحقد الذي يولد الكراهية الذي يولد العدوان؛ فالغيرة شيء طبيعي يمكن القضاء عليها بالمنافسة الشريفة، فلا يتولد منها حقد أو كراهية.

وقد بدأ رئيس القسم يشعر بالغيرة مني بعدما عدت من فرنسا وعينت مدرسا للفلسفة، وقد كنت أعجب به في أول سنة لي كطالب بالقسم، وهو في آخر سنة، وكان له قسط من الجمال التركي، وينزل سلم الكلية ضاحكا مبتسما، وكأنه يقول «انظروا لي.»

1

ونسي الآية الكريمة

ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا .

فلما أصبحنا زملاء وأراد رئيس القسم أحمد فؤاد الأهواني أن يعينني بلا إعلان، بدأت الغيرة تصب في قلب رئيس القسم التالي. ولما كنت أملأ مدرجات الجامعة فكرا ووطنية بعد هزيمة 1967م امتلأت القاعات بالطلبة والمدرسين الشبان. ولم يخف ذلك على أجهزة الأمن، وكنت أخبئ الشيخ إمام في شنطة سيارتي وأدخله للجامعة؛ لأنه كان من الممنوعات. وكان أحمد فؤاد نجم يدخل مخبئا عود إمام تحت قدميه فلم يكن يوقفه أحدا. ثم يبدأ الغناء في مدرج الآداب والحقوق الكبير حتى الظهر، وتشتعل الجامعة فكرا ووطنية.

فلما جاء موعد ترقيتي إلى أستاذ مساعد، رقتني اللجنة العلمية العامة بالإجماع، وكان لا بد بعد ذلك من الحصول على موافقة الأقسام الإدارية بالجامعة. لم يكن بالقسم إلا أستاذ واحد هو رئيس القسم الذي اتصلت به أجهزة الأمن، وطلب منه عدم الموافقة على الترقية. وذهب إلى مجلس الكلية فاتصلت أجهزة الأمن بالعميد لمطالبته بعدم الموافقة على الترقية. وذهب الموضوع إلى مجلس الجامعة فلم يعرف ماذا يفعل؟ فأرسل التقرير بالترقية إلى مجلس الكلية فأرسله العميد ثانية إلى اللجنة العامة بدعوى الفحص لأنني كافر. ورد رئيس اللجنة العلمية على الجامعة بالموافقة على الترقية بدعوى أن ناقل الكفر ليس بكافر. وكانوا يقصدون ترجمتي لرسالة اسبينوزا «رسالة اللاهوت والسياسة». وفي مجلس الجامعة أصر رئيس الجامعة بتطبيق قواعد الترقيات العامة وهو أن محك الترقية قرار اللجنة العلمية وليس المجالس الإدارية، ومرت الترقية بسلام.

هذا أحد مصادر الغيرة والحسد والحقد من هذا الشاب الآتي حديثا من فرنسا وله أعمال علمية يرقى بها في لجان الترقية وبسرعة وعكس ما تطالب به أجهزة الأمن بإيقاف ترقيتي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٧٩