أما الدائرة الأوسع وهي الدائرة الثانية في أسرتي، فمعظمها من البنات باستثناء أخ لي. يتخللها تياران: التيار المحافظ، والتيار التقدمي. ويضم الاتجاه المحافظ معظم شقيقاتي البنات لأنهن لم يعملن بالسياسة كثيرا، إنما التفتن إلى حياتهن العملية في الوظائف وتكوين الأسر والحصول على الأبناء. وأما جيل الأحفاد هم الذين تأثروا بالجانب التقدمي في الأسرة الأولى وعاشوا مرحلة انكماش مصر وتخليها عن مركزها؛ قلب الوطن العربي. وقد تتستر إحداهن بغطاء الدين ولكن قلبها مع رعاية المصالح لأولادها وتدعيمهم أسرهم الصغيرة.
وكان أخي نموذجا للرجل الطيب، صافي القلب، يحب الخير للجميع. قبل أن يكون باحثا بقسم اللغة العربية قبل تعيينه معيدا بمرتب بسيط، ومع ذلك استطاع أن يساهم في إعالة أسرته وتزويج شقيقاته وإرسال الوالدين للحج مرتين، وكان تلميذا لأحد تلامذة طه حسين؛ فكان يحب العلم وفي نفس الوقت كان ضابطا احتياطيا في الجيش. وكان يهوى لعبة المصارعة، وكنت أشاهده وهو يصارع أحد الطلبة في مدرسة خليل أغا وكان قوي البنية، فكنت أخشى عليه من أن يصيبه مكروه. كان طويلا مثلي يلعب كرة السلة وأحيانا العقلة والمتوازيين، ويحب التمثيل؛ فانضم لفريق التمثيل بالمدرسة، وكان يدخل في مسابقات وزارة المعارف لفرق التمثيل المدرسية. وكان المنافس الأكبر في مدرسة خليل أغا لفريق تمثيل مدرسة الخديوية التي كان جمال إسماعيل قريبنا طالبا بها، صاحبني إلى الإسكندرية هو والوالد عند سفري لفرنسا بالباخرة فأعطاني عشرين جنيها وكانت مرتبه الشهري كله كباحث لدى الجامعة. كما أعطاني الوالد الخمسة جنيهات التي كانت كل ما معه قبل السفر، وظللت أحفظ له هذا الجميل حتى عودتي، وقمت بإعانة والدي ووالدتي وشقيقتي الصغرى بعد الرجوع من فرنسا بدلا عنه، وعين وكيلا لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان يخدم الطلبة ويساعدهم لأقصى حد، لدرجة أنه سمح لأحد الطلاب السوريين باستمرار تحضيره للدكتوراه وكانت عن هيجل لمدة عشر سنوات، وكان القانون لا يسمح بأكثر من خمس سنوات. وهو الذي أنشأ كلية الآداب بجامعة بني سويف، وكان عميدا للكلية ورئيسا لقسم اللغة العربية، ثم كبرت الجامعة بإنشاء كليات أخرى مثل الحقوق، والآن هي جامعة كبيرة تضم كلياتها العديدة ومبانيها الجديدة. وكان كثير التدخين؛ مما أصاب رئتيه بمرض خطير، وكنت معه ليلة الوفاة في المستشفى وبغرفة الإنعاش أنا وابنته الكبرى وهي تقول: «نحن نحبك يا أبى!» وقرر قبل أن يتوفى أن يهدي مكتبته إلى كلية الآداب بجامعة بني سويف؛ فهو عميدها الأول ورئيس قسم اللغة العربية الأول بها، وسمي أكبر مدرج بالكلية باسمه.
وكانت علاقة شقيقتي الكبرى بزوجها القريب من والدتي علاقة مثالية للعلاقات الزوجية من حيث التضحية والمحبة والفداء، وكانت أخت الزوج عانسا وصلت إلى ما فوق الخمسين ولا أمل لها في الزواج، وكانت في اللاشعور تحسد شقيقتي لحب زوجها لها وحب شقيقتي له. لم تفعل شيئا كريها ولكنها لم تكن تحسن المعاملة، وتعوض نقصها باستعلاء على أسرتها وربما في عملها، تسير بحذاء ذي كعب عال يخطف الأبصار، ولكن لا أحد ينظر إليها، وكانت شقيقتي من الحكمة بحيث لم تصطدم بها على الإطلاق بالرغم من وجود ثلاث نساء في منزل شقيقتي؛ هي وحماتها وشقيقة زوجها العانس. فإذا أخطأت شقيقتي في شأن من شئون المنزل هاجت وماجت، ولم ترد شقيقتي عليها، ولم تترك لها المجال لتعكير الصفو مع زوجها أو حماتها. ولما توفيت شقيقتي وحضرت بطبيعة الحال مراسم الدفن في مقبرة اشتراها زوجها انتظارا لهذا اليوم الكئيب، وجلست بجوار زوج شقيقتي وهو صامت لا يتكلم؛ مهموم لفقدان رفيقة حياته، وعيناه تنظر إلى المقبرة بعد الدفن وكأنه يقول: «لماذا تتركينني بمفردي وتغادرينني؟» وبعد شهر واحد لم يحتمل زوج شقيقتي ألم الفراق وخلو المنزل من الحبيبة شقيقتي؛ ففارق الحياة بعد شهر واحد من وفاة شقيقتي كي يلحق بها إلى نفس المكان.