ومرة أخيرة أتت جدة شابة تعمل كمساعدة خاصة لزوجتي، كانت لا تجيد أعمال الطبخ أو التنظيف، طبخت الملوخية ونسيت أن تضع فيها «التقلية»، وفي الصباح قدمت الفطير عجينا نيئا. وعندما سألت ممرضي ومرافقي الدائم عن شيء لم يسمعها، فقال: «نعم!» قالت: «نعامة ترفسك.» غضب وأصر على أن تغادر السيدة المنزل. قالت وهي تقدم نفسها إنها تحب «تعامل باحترام» وإنها خدمت أسرة لمدة ثمانية عشر عاما. فعجبنا كيف أن طبيخها بهذه الرداءة؟ وكيف أنها بعد يومين سبت الممرض؟ ولم تعرف الأسرة ماذا تفعل. وكنت حريصا على الممرض المرافق الذي خدم عندي أكثر من أربع سنوات ولا أستطيع أن أضحي به من أجل مساعدة لم تقض معنا سوى يومين. نكتشف كل يوم منها أنها بلا كفاءة في الطبخ أو أدب في الحديث فنصحت الأسرة بصرفها.
ونرجو أن يكون ذلك آخر تغيير في المساعدين والمساعدات، بعد أن اطمأننا إلى من عندنا بما لديهم من كفاءة وأمانة.
أما حارس المنزل «البواب» هو الأخير ومن قبله لا يهمه إلا زيادة الدخل فوق مرتبه الشهري، فكان يمسح العربات بالشارع. وفي إحدى المرات كانت زوجة البواب لدينا تعمل عند سكان العمارات المجاورة كمساعدة في شئون المنزل لتساعد زوجها على زيادة الدخل، كان أسوأ هؤلاء أحدهم وكان من أسوان، سافرنا مرة في إجازة صيف وتركناه يتولى حراسة المنزل. ومنذ أن انتهينا من بناء المنزل فاضت عدة بلاطات رخامية وبعض الأشياء وضعناها بأحد جوانب المنزل من الخارج، وجدناه قد سرقها، وكنا قد تركنا أيضا ثمن الجرائد الأسبوعية واليومية في عهدته لمحاسبة بائع الجرائد، اكتشفنا أنه لم يدفع ثمن الجرائد وأنه أخذ الأموال لنفسه وبددها؛ صرفته لعدم أمانته، كما صرف من عمله الآخر لنفس الأسباب.
الفصل العاشر
| العواطف والانفعالات
بالرغم من أن الفلاسفة العقليين مثل ديكارت كتب رسالة في الانفعالات، وكذلك كتب الوجوديون في نفس الموضوع مثل جان بول سارتر كتب رسالة في الانفعالات، فإن التفرقة بين العواطف والانفعالات تفرقة دقيقة، وترجماتها إلى اللغة العربية صعبة، تتداخل فيما بينها؛ ففي اللغتين الفرنسية والإنجليزية هناك لفظ مشترك مثل
passions
عواطف. وتعني انفعالات، وهناك بالفرنسية كلمة عواطف
sentiments ، وهي بالإنجليزية نفس اللفظ ونفس المعنى. وتزيد الإنجليزية لفظ
feelings
فيعني مشاعر. ولا يوجد لها مقابل في الفرنسية.
وتشير كل هذه الألفاظ للجانب الوجداني للإنسان مقابل الجانب العقلي. ويلاحظ أن العواطف إيجابية أكثر منها كونها سلبية مثل: السماحة والاحترام والتقدير والتعاطف والمشاركة الوجدانية.
أما الانفعالات فهي سلبية أكثر منها إيجابية مثل: الغضب والكراهية والحسد والغيرة والضيق والصراخ وربما أيضا الفرح والحزن اللذين يقعان بين العواطف والانفعالات.
ويمكن القول بأن العواطف تدوم أكثر من الانفعالات؛ فالعواطف تبقى في الشعور مدة طويلة، في حين أن الانفعال وقتي، يأتي بسرعة، وينتهي بسرعة.
فالحب مثلا إذا كان دائما فهو عاطفة نبيلة، وإذا كان انفعالا وقتيا فهو عاطفة هوجاء.
ولا تتعلق العواطف بالأشخاص المتعاطف معهم، كما لا تتعلق الانفعالات بالأشخاص المنفعل تجاههم؛ فالأشخاص لهم كل التقدير والاحترام سواء أكانوا من المتعاطف معهم أم من المنفعل ضدهم.
وتتعلق العواطف والانفعالات بالجانب الذاتي فقط؛ أي بإحساس الإنسان، وبتجربته الحية تجاه بعض الأشخاص. وقد يكون مصيبا أو مخطئا في هذا الإحساس.
فالعواطف والانفعالات إذن تقع خارج نطاق الأحكام العقلية أو الخلقية، ولا تستحق الغضب منها؛ لأنها ذاتية خالصة ولا شأن لها بالأشخاص الموضوعين بين قوسين. إنما هو الوعي الذي يحلل نفسه تجاه ما يحدث فيه من ذكريات؛ فالذكرى ذاتية خالصة، وهي تجربة حية مضت كموقف ولكنها بقيت منغمسة في الوعي، كما هو الحال في شعر أحمد رامي في قصيدة ذكريات: