تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبين فصلي من الجامعة في قرارات سبتمبر 1981م وعودتي إليها بقرار من مجلس الدولة في أبريل 1982م قررت الاستراحة قليلا حتى أتفرغ لإنجاز مشروع «التراث والتجديد».

وكان الجزء الأول عن علم أصول الدين، أو علم الكلام باسم «من العقيدة إلى الثورة» يقع في خمسة أجزاء: الجزء الأول: المقدمات النظرية. والجزء الثاني: التوحيد. والجزء الثالث: العدل. والجزء الرابع: الأخرويات. والجزء الخامس: النبوة والإمامة.

وكنت أطبعهم على ورق الجرائد الأصفر الخفيف الوزن، الرخيص الثمن حتى يكون الكتاب على مستوى دخل القراء الفقراء، وكنت أتنازل عن حقوقي المادية كمؤلف، بل كنت أشتري الورق من تجار الورق في منطقة العتبة ثم يرجع لي الناشر ثمنه من مبيعات الكتاب، والذي بدأت الكتابة فيه وأنا في طريقي للمغرب، واستغرق خمس سنوات لإتمامه. ثم بدأت بعده تأليف كتاب «من النقل إلى الإبداع» لإعادة بناء علوم الحكمة في تسعة أجزاء. واستعملت منهج تحليل المضمون في كل النصوص الفلسفية القديمة؛ لكي أعرف مدى صحة أن علوم الحكمة هي شروح للفلسفة اليونانية وبالتالي لم يبدع المسلمون شيئا، كما يقول بعض المستشرقين وأتباعهم من العرب، أم أن بها إبداعا أصيلا وإن أتى في وقت متأخر؟

فكان الجزء الأول: عن الترجمة عن اليونانية وكيف كانت تتم تعريبا أولا ثم نقلا ثانيا؛ التعريب مثل قاطيغورياس، والنقل هي المقولات. والثاني: التعليق، أي التعليق على الكلمة وليس فقط ترجمتها. والثالث: الشروح، وكان شرحا للكلمة بعبارة طويلة. وتعتبر هذه الأجزاء الثلاثة الأولى أقرب إلى النقل. وبعد ذلك بدأ «التأليف» في الجزء الرابع، عندما يكون الوافد أكثر من الموروث، وفي الجزء الخامس: التأليف أيضا ولكن عندما يكون الموروث أكثر من الوافد. وفي الجزء السادس: عندما يتساوى الوافد والموروث. وتعتبر هذه الأجزاء المتوسطة بين النقل والإبداع، ثم يأتي «الإبداع» عندما يختفي الوارث والموروث كلية. ويعتمد الإبداع على العقل الخالص وهي «المرحلة السادسة». ثم الجزء السابع والثامن والتاسع؛ الجزء السابع: في العلوم الرياضية والطبيعية التي يختفي فيها الوافد والموروث معا. والجزء الثامن: في الموضوعات الإسلامية الخالصة وليست فقط المنطق والطبيعيات والإلهيات. وهي العلوم الوافدة. والجزء التاسع والأخير: في علوم تعتمد على العقل البديهي أو التجربة الطبيعية أو العلوم الإنسانية. وذلك مثل، مقدمة ابن خلدون التي تؤسس علما جديدا وهو علم التاريخ الاجتماعي، أو علم الاجتماع التاريخي.

ثم بدأت إعادة بناء علم أصول الفقه في «من النص إلى الواقع» في جزأين، ويقوم بإعادة التفكير في علم أصول اللغة القديم منذ «الرسالة» للشافعي حتى «الموافقات» للشاطبي، وما بعده بقليل. وهو أفضل علم أبدعه القدماء وليس له أصول لا يونانية رومانية ولا مسيحية ويهودية. به ثلاث قضايا: الأولى، مصادر الأحكام ومن أين تأتي الأحكام الشرعية؟ وهي أربعة مصادر: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاجتهاد. فهذا الترتيب القديم يعطي الأولوية للنص على الواقع. فإذا كانت لدي مشكلة مثل صعوبة المواصلات في القاهرة فكيف أجد لها حكما؟ هل أذهب إلى الكتاب؟ فإن لم أجد فإلى السنة؟ فإن لم أجد فإلى الإجماع؟ هل أجمع المحافظون أو مديرو المرور مثلا؟ هل أسألهم كيف يحلون مشكلة المواصلات في القاهرة؟ هل بعمل كباري؟ أو بناء تجمعات جديدة حول القاهرة، أو عاصمة إدارية جديدة لنقل الحكومة إليها؟ أم أجتهد، رأيي كما تفعل المدن الكبرى مثل طوكيو والمكسيك؟ وذلك يتم عند قياس مساحات الشوارع والطرقات، ومعرفة عدد السيارات الخاصة، والناقلات العامة كي أعرف مقدار ما تتحمله الشوارع والطرقات من عدد السيارات، فإذا زاد العدد عن قدرة الطرق على استيعابها تنشأ الأزمة؛ فالحل يأتي من تحليل الواقع وليس من فهم النص، وبالتالي ينقلب الترتيب القديم وتصبح مصادر الأحكام من الاجتهاد أولا، فإن استعصى علينا أجمع أهل الخبرة العالمية الذين حلوا قضية الازدحام في المدن الكبرى، فإن لم أجد حلا عندهم أستطيع أن أقرأ النصوص عن تخطيط المدن القديمة وكيف كانت عربات الكارو التي تجرها الأحصنة تسير جنبا إلى جنب مع الناس. فالأولوية للواقع على النص.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٥٩