تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي زيارتي السريعة لطهران وكان ذلك بعد الثورة الإسلامية قابلت الخميني في منزله في «قم». وجلست معه على الأرض مربعا ساقي. كنت أتكلم عن الإسلام والثورة، وكان هو ينصت، ولا يتكلم. طلبت أن أنشر كتاب «الحكومة الإسلامية» في مصر فأعطاني الكتاب مترجما إلى اللغة العربية وكذلك كتاب «جهاد النفس، أو الجهاد الأكبر». سألته عن حقوق النشر، قال: «لا حقوق، انشر الكتاب على أوسع نطاق ويكفيني هذا حقا لي.» وتعرفت في «قم» على الإمام «تسخيري» الذي أنشأ مجلة «تقريب» للحوار والتقارب بين السنة والشيعة. وقابلت الإمام أحمد بن الخميني، والإمام طالقاني، والإمام طباطبائي، والإمام جلبيجائي. وحضرت بعض ندوات الحوزات العلمية، وتعرفت على «عبد الجبار الرفاعي» الفيلسوف العراقي الهارب من حكم صدام والذي بدأ في نشر مجلة «قضايا إسلامية معاصرة» وأعطيته حديثا بعنوان «قم تسأل والقاهرة تجيب» مما أغضب علماء الشيعة عندهم. فكيف من يسأل هي «قم» والقاهرة هي التي تجيب؟ فهم يرون «قم» مدينة العلم ولديها المعرفة، فالأصح هو «القاهرة تسأل وقم تجيب». فالقاهرة لديها السؤال، وقم لديها الإجابة. وزرت مدينتي «مشهد» و«تبريز»، ورأيت الآثار الإسلامية.

وفي سنغافورة تعرفت على زين العابدين رئيس الجامعة الإسلامية في سنغافورة بوجهه الصبوح وعقله المستنير، فحسدته على شخصه وصفاته وقيادته للمسلمين في الجزيرة.

أما في الوطن العربي فقد أعطيت فصولا دراسية كاملة في جامعة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى معظم الجامعات العربية لفترات قصيرة في المملكة العربية السعودية، وتطوان والرباط والدار البيضاء بالمغرب، ونواكشوط في موريتانيا، والجزائر، وتونس، وصفاقس بتونس، وليبيا، واليمن، وعمان، والكويت، وقطر، والبحرين، وبغداد، وعمان، ودمشق، وبيروت. وكان أكثر الطلاب وعيا بالثقافة العربية الطالب المغربي.

وفى ليبيا جلست مع القذافي في خيمته عدة مرات عندما كان يستضيف المؤتمرات القومية وأعضاءها من المثقفين العرب، ولم أكن أحب الكلام والمشاركة في هذه الجلسات؛ لأنه كان يستعلي ويستكبر على المثقفين معتبرا نفسه نبيا لهذا العصر.

وفي بغداد قابلت الرئيس صدام حسين في الاحتفال بمرور سنتين على وفاة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العراقي، وفي هذه الفترة كان في صراع علني مع أمريكا قد بدأ وعلى أشده بالتراشق اللفظي بينه وبين «بوش». وكان صدام يمشي على المسرح متبخترا أيضا رافعا رأسه إلى أعلى في ثقة محييا جمهور الحاضرين. واقتربت مني أجهزة الإعلام لمعرفة رأيي في رئيسهم فرفضت التعليق لأنني لا أمدح ولا أذم الرؤساء العرب.

ودعاني الملك عبد الله مع بعض المثقفين المصريين الماركسيين لزيارة المملكة العربية السعودية وأداء فريضة الحج؛ فذهبت وأعطونا ملابس الإحرام وأقمنا في الخيام. ودعينا مرة للقصر للغداء، رأيت الخراف واقفة على الموائد بكاملها؛ فخفت من المشهد أكثر مما استمتعت به؛ فقد كان مشهد الخراف واقفة مشوية مهيبا.

وفى زيارتي للملكة العربية السعودية لم يطلب مني الملك الكلام، ولم يتكلم هو كذلك، بل كان الأمر مجرد أداء واجب، وكانت المحاضرات التي ألقيناها في جامعة الملك عبد العزيز في مكة، وزرنا المدينة المنورة وقبر النبي، ومنازل الصحابة. وكان الحجاج يطوفون حول الكعبة في مكة ويتقاتلون للمس الحجر السود. يومها لم أستطع الطواف ولا السعي ولا الصعود إلى جبل عرفات لكبر سني، ورأيت الناس يقذفون الحجارة الصغيرة ويرجمون بها؛ فأدركت أهمية ما قاله الصوفية بأن هذه كلها ما هي إلا مشاهد رمزية للحج القلبي الخالص. وتمنيت لو أن هذه الملايين ذهبت إلى القدس، وطافت بالمسجد الأقصى. كما أدركت أهمية خطاب العيد في الفضاء وليس في مسجد مغلق لشرح وضع المسلمين اليوم. ورأيت عمال النظافة وهم يسحبون الشباشب والقباقيب والصنادل والأحذية من على الأرض كي يضعوها في صناديق القمامة، وتساءلت: فإذا خرج المصلون فأين سيجدون أحذيتهم؟ وكان الحجاج الأفارقة والأسيويون أكثر من الحجاج العرب، كلها كانت مشاهد للرؤية حتى لو لم تكن شعائر للحج.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٥٢