تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد زرت في مدة أقل لحضور مؤتمرات كثيرا من الجامعات في ألمانيا مثل: دوسلدورف وبون وكولونيا وهامبورج وهايدلبرج ومالبورج. كما زرت جامعات أوروبية أخرى لفترة قصيرة في كامبريدج وأكسفورد ووارسو وقرطبة وفيينا وموسكو.

وقد كون هانز كينج جماعة للحوار الديني برئاسة رئيس جمهورية ألمانيا السابق هيلمولت شميت، وكنت عضوا فيها، وجاءت الجماعة إلى مصر لعرض نشاطها على الرئيس المصري، فلما وجدت الرئاسة اسمي ضمن المجموعة شطبت اسمي من الدعوة للعشاء مع أعضاء المجموعة، فلما سألوهم عني، ولماذا لا أحضر معهم، لا أدري بماذا أجابوا!

وعندما زرت وارسو، أقام رئيس جمهورية بولندا حفل عشاء للوفد الذي كنت عضوا فيه لمشاركة الحوار الديني كموضوع للندوة، وألقى الرئيس البولندي خطاب ترحيب باللغة الإنجليزية. وطلب مني أن أرد عليه بخطاب شكر، فقمت واقفا وألقيت خطاب الشكر، وبإعجابي بأهل السياسة عندما يصبحون من أهل الثقافة طبقا لمبدأ «الفيلسوف الملك» أو «الملك الفيلسوف» عند أفلاطون في الفلسفة اليونانية، والفارابي في الفلسفة الإسلامية.

وأحيانا أجد بعض تلاميذي وقد أصبحوا يعملون كملحقين ثقافيين في السفارات المصرية بالخارج، فيخاطبون سفراء بلادهم ويعلمونهم بوجودي في بلادهم؛ فيدعونني لإلقاء محاضرة بالقاعة الكبرى لسفاراتهم. حدث ذلك في فنلندا وكندا وأستراليا؛ فأجد التقدير خارج وطني ولا أجده في وطني لأن «زمار الحي لا يطرب».

وفى العالم الإسلامي زرت جامعات إسطنبول وأنقرة، وطهران وقم، وكوالالمبور في ماليزيا، وجاكارتا في إندونيسيا، وفي أواسط آسيا زرت طشقند في أوزبكستان، وباكو في طاجكستان، وسمرقند، وغيرها من الجامعات في أواسط آسيا، وفي الهند زرت جامعات بومباي ونيودلهي وحيدر آباد.

وزرت إندونيسيا عدة مرات، آخرها عندما كان عبد الرحمن وحيد رئيس جمعية نهضة العلماء رئيسا للجمهورية. فدعاني إلى القصر مع رجالات الدولة، وألقى محاضرة عن أفكاري واتجاهي الإصلاحي، فكان الرجال ينظرون إلى ويبتسمون تقديرا لدوري وامتنانا لما قاله رئيسهم في حقي، وقد كان طالبا عندي في مصر، يستمع ويدرس محاضراتي قبل انتقاله إلى بغداد.

وفى كوالالمبور تعرفت على جماعة «آليران» وهي أشبه باليسار الإسلامي والذي أسسته في مصر. كما تعرفت هناك على «قاسم أحمد» المفكر الإصلاحي والذي كتب «العودة إلى القرآن». كما تعرفت على «سيد حسين علي» المفكر الماركسي الماليزي الذي أراد أن يطور الحركة الإسلامية من الإصلاح إلى الثورة، وكما حاولت أنا في مصر. كما تعرفت على «أنور إبراهيم» الزعيم الطلابي وزميل «محمد محاضر» الذي أصبح رئيس وزراء ماليزيا ووضع برنامج «عشرين عشرين» للتنمية الماليزية.

وفى زيارتي لتركيا تعرفت على جماعة «ريح الشرق» التي كانت ترى رسالة تركيا تمتد شرقا في آسيا بعد رفض الاتحاد الأوروبي عضويتها فشعرت تركيا بالإهانة، وقد كانت إمبراطورية قديما تسيطر على شرق أوروبا، ووصلت حتى أبواب فيينا. وكان من أعضاء هذه الجماعة الحكومة الحالية برئاسة «أردوغان» و«داود أوغلو» الذي كان وزيرا للخارجية. ولما قدموا إلى مصر لمقابلة الرئيس وضعوا اسمي مع من سيلتقي الوفد بهم، وحضور العشاء الذي سيقام على شرفهم، وكان وزير الخارجية قد زارني سابقا في مصر للتعرف على أفكاري الإصلاحية، وكان يعرفني جيدا فطلب أن يجلس بجواري على مائدة العشاء، وعندما جاء الرئيس وبطانته من حوله أخذوني إلى مائدة أخرى صغيرة بصحبة الموظفين الصغار في السفارة التركية؛ فغضب «داود أوغلو» وترك مائدة الشرف وجاء بجواري على المائدة الصغيرة، وأدركت بعد مثل هذه الحوادث بأنه لا كرامة لنبي في وطنه، وأن الخارج يحترمني ويعرفني ويقدرني أكثر من أبناء وطني؛ فحزنت لذلك. وقد كان باستطاعتي بسهولة أن أكون هنا من بطانة السلطان ذوي النفوذ ولكني لا أفعل ذلك؛ فأنا لست من علماء بلاط السلطان ولا من بطانته.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٥١