تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما أحسست أن الجامعة مشغولة بالمحاضرات والدرجات والامتحانات والشهادات أكثر من العلم لذاته، أسست الجمعية الفلسفية المصرية وأشهرتها سنة 1976م. وكانت المحاولة الأولى من منصور فهمي باشا عام 1944م، وتوقفت أثناء الحرب، ثم عادت بعد ذلك في الستينيات برئاسة علي عبد الواحد وافي أستاذ علم الاجتماع والفلسفة. نشرت الجمعية عدة مؤلفات لمحمود قاسم وعثمان أمين وعلي عبد الواحد وافي وعثمان نجاتي وغيرهم في مكتبة الأنجلو المصرية. ثم توقف نشاط الجمعية. ولما حاولت إحياءها ذهبت إلى محمود قاسم رئيس قسم الفلسفة وعميد كلية دار العلوم فقال لي: «إن الزمن قد تغير.» فذهبت إلى عبد الرحمن بدوي رئيس قسم الفلسفة بجامعة عين شمس فقال لي: «لماذا جمعية فلسفية تضم أساتذة الفلسفة في مصر؟ أنا بمفردي جمعية ولا أحتاج إلى جمعية بجواري أعمل من خلالها!»

وذهبت إلى إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية والفيلسوف، فقال لي: «اذهب إلى سليمان حزين رئيس الجمعية الجغرافية الملكية فهو خير من يعينك فيما أنت فيه.»

فذهبت إليه في الجمعية بمدخل شارع قصر العيني بميدان التحرير، بجوار المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون أثناء الحملة الفرنسية على مصر، قال سليمان حزين لي: «سأقول لك كلمة واحدة، ضعها حلقة في أذنك، الجمعيات العلمية في مصر لا تقوم إلا على أكتاف رجل واحد، وكما تراني في الجمعية الجغرافية الملكية، فلولا أنا لما قامت.» فحزنت. وذهبت بعدها إلى عثمان أمين لكي أطلب منه رئاسة الجمعية وكانت الثورة قد قامت في 1952م، فقال ضاحكا: «هل يمكن إقامة جمعيات علمية في مصر في هذا العصر؟» فأصررت على إقامتها، وفعلا قمت بذلك وأسستها في عام 1976م وجعلت إبراهيم بيومي مدكور رئيسا لها.

لم يكن لي مقر إلا بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وهو دولاب صغير في المقر يحفظ فيه الملفات، وكنا نضع لافتة «الجمعية الفلسفية المصرية» على باب الدولاب، وكنا نقوم بنشاط الجمعية في الكلية بإلقاء المحاضرات في المدرج الكبير، وكان دخلنا من اشتراكات الأعضاء لا يزيد على الأربعين جنيها، نصعها في دفتر توفير بالبريد وكان قيمة الاشتراك خمسة جنيهات.

وفى إحدى المرات استدعاني عميد الكلية وقال: «لا يجوز أن يكون مقر الجمعية داخل كلية الآداب، وتمارس نشاطها داخل أسوار الجامعة؛ لأن كلية الآداب مؤسسة حكومية في حين أن الجمعية مؤسسة أهلية مدنية لا يجوز أن تعمل من خلال مباني الحكومة.» وطلب أن أبحث عن مقر آخر.

هذا كان مجرد عذر لإخراج الجمعية ووقف نشاطها؛ لأن جميع الجمعيات الأخرى كان لها نشاط داخل أسوار الجامعة مثل: جامعات فيينا، وأكسفورد، وكمبريدج، وفرايبورج. وكان السبب الحقيقي لطلب العميد هو نشاطي السياسي في مناهضة الانقلاب على الناصرية ومعارضة اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل.

فأخذت أبحث عن مقر قريب من الجامعة حتى وجدت شقة في مساكن هيئة التدريس وراء الجامعة، كان يعرضها صاحبها للبيع، وكان أستاذا بكلية الهندسة، كان ثمنها تسعين ألف جنيه. وكان كل ما لدينا في صندوق البريد حوالي مائة جنيه، طلبنا من صاحب الشقة أن يقسط لنا المبلغ على ثلاثة أشهر كل شهر ثلاثين ألفا؛ فقبل الأستاذ، وكان رئيس الجمعية في ذلك الوقت الدكتور زقزوق قد أصبح وزيرا للأوقاف؛ فعرض الأمر على وزير الثقافة، فطمأنه بأنه مستعد أن يعطي الجمعية ثلاثين ألفا سنويا؛ فاعترض أمين صندوق الجمعية على أن نصرف التسعين ألفا في شراء شقة ونترك الصندوق شبه فارغ. فقلنا: وما العمل؟ وليس لدينا مقر، وإن لم نحصل سريعا عليه تعرضنا لإلغاء الجمعية من قبل وزارة الشئون الاجتماعية ، وأن قانون الجمعيات يشترط أن يكون لكل جمعية مقر؛ فأصر أمين الصندوق على رأيه، وقلنا له إننا لا نستطيع أن نكون في الشارع بلا مقر، فقدم استقالته لأنه لا يتحمل وزر صرف كل ميزانية الجمعية في بند واحد هو شراء شقة لكي تكون مقرا للجمعية.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٤٨