تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت لأول مرة أدرس لطلبة يابانيين الذين كانوا يسمعون ولا يتكلمون، يأخذون ولا يعطون، رأسهم في الأرض، ولا ينظرون إلى الأستاذ، وكانوا يكتبون ولا يعرف الأستاذ ماذا يكتبون؟ كلامه أم نقد لكلامه؟ كنت أود أن أسمع آراءهم فيما أقول في مادة الفلسفة بين الشرق والغرب والتي كنت أدرسها لهم، ولم أسمع شيئا. وكأنني أغني وأرد على نفسي، فلما اشتكيت إلى رئيس القسم الياباني ما يحدث في قاعة الدرس ضحك، وقال: «هذه عادة اليابانيين، يأخذون منك ما يستطيعون، وإذا كانت لهم آراء أو تعليقات أو نقد أو اقتراحات فإنهم لا يبلغونها لك بل لرؤسائهم في الشركات التي يعملون بها؛ فولاؤهم لهذه الشركات التي يضعون شاراتها على صدرهم تعبيرا عن ولائهم؛ فالفائدة لهم، وليست لك.» فحزنت بأن يتحول العلم إلى تجارة، والولاء للجامعة إلى ولاء للشركة، ولم أستطع البقاء طويلا في هذا الجو التجاري، فجاءتني دعوة إلى أن أكون مشرفا على الأبحاث الإنسانية في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو ما دمت هناك. وهي جامعة أنشأها يوتاند من بورما في آسيا لتنشيط البحث العلمي في القارات الثلاث؛ أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، تشجيعا للبحث في العالم الثالث بدلا من أن يتركز في العالم الأول؛ أوروبا وأمريكا. فقبلت الدعوة، وقرأت أبحاث الجامعة في العلوم الإنسانية، وكان لها عدة مشروعات عن الثقافة والإبداع في أمريكا اللاتينية، يديرها د. أنور عبد الملك؛ المصري الذي ترك البلاد في 1958م خوفا من اضطهاد الشيوعيين في مصر، وكان هناك مشروع آخر «المستقبلات العربية البديلة» يديرها إسماعيل صبري عبد الله وأبو سيف يوسف في مصر، ومشروع ثالث بعنوان «التطور اللامتكافئ» يديره رمسيس نجيب من داكار عاصمة السنغال.

وكانت ثلاثة أبحاث منفصلة عن بعضها البعض؛ فاقترحت على نائب رئيس الجامعة «موشي كوجي» الذي كان يشرف عليها، الربط بينهما لمعرفة ما إذا كانت هناك رؤية واحدة تجمع بين القارات الثلاث أم رؤى متعددة؟ ففرح بالاقتراح وطلب مني تنفيذه؛ فقمت بإجراء دراسة على المشاريع الثلاثة وما الذي يجمع بينها، وتبين فيم تتفق كرؤية عامة، وفيم تختلف كرؤى خاصة، ونشرتها في كتابي باللغة الإنجليزية «الحوار الديني والثورة».

كانت هناك مشكلة رئيسية في الجامعة حاولت أن أساعد في حلها، وهي لمن القيادة في الجامعة، للعلماء أم للإداريين؟ وكانت بعض قرارات العلماء يوقفها الإداريون، فلم يشعر العلماء بأنهم في جامعة حرة. ولما كان الإداريون بيدهم المال فكانوا هم الذين يسيطرون على نشاط الجامعة طبقا لتكاليف المشاريع المادية. وظلت المشكلة قائمة حتى غادرت طوكيو عام 1987م.

وكان رئيس الجامعة في عهدي إندونيسيا، يهمه المنصب والرمز أكثر مما يهمه حل المشكلات بين العلماء والإداريين، فقد كان هو القادر على الجمع بينهما ولكنه لم يفعل شيئا.

وبعد سنتين عدت إلى القاهرة لأستمر في إلقاء المحاضرات في مواد فلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر، واستمر ذلك إلى ما بعد سن المعاش حتى عام 1995م. واستمررت في الدراسات العليا بالإشراف على حلقات البحث حول علم الكلام والفكر العربي المعاصر وفلسفة التاريخ. وأشرفت على رسائل كثيرة في الماجستير والدكتوراه، حتى بدأت أضعف جسديا. كان الطلبة والعمال يحملون الكرسي المتحرك إلى قاعة الدرس أو مجلس الكلية، ولما ضعف نظري وأصبحت شبه ضرير، توقفت عن الذهاب إلى الكلية، وكان الطلبة الذين يريدون أن أشرف على رسائلهم يأتون منزلي، أقرأ خططهم، وأصححها لهم قبل عرضها على مجلس القسم ثم لجنة الدراسات العليا ثم موافقة مجلس الكلية ووكيل الجامعة للدراسات العليا.

وكنت أساهم في مناقشات الرسائل في الجامعة، وفي جامعات أخرى حتى يستعد الجيل الجديد للعمل والكفاح كما فعلت، ولم أتوان عن الحضور والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها، والتعرف على زملائي الفلاسفة في الجامعات الأخرى، وتقديم عدة أوراق بحثية أجمعها فيما بعد في كتب لي، ومن تأليفي، واستمررت في ذلك أكثر من عشرين عاما حتى ضعف جسدي وأصبحت ضريرا، فامتنعت عن الحركة قدر استطاعتي، يكفيني ما قدمت، وبعد الإصرار أن أقدم من الحين إلى الآخر تسجيلات بصوتي وصورتي في افتتاحيات المؤتمرات عبر «الفيديو كونفرنس» أوافق على ذلك.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٤٧