وأخيرا سجلت الرسالة الأولى عن «مناهج التفسير في علم أصول الفقه» مع مستشرق متخصص في الفقه وأصوله، وسجلت الرسالة الثانية عن الظاهريات وتطبيقها على الظاهرة الدينية بعنوان «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل، دراسة في المنهج الظاهرياتي وتطبيقه على الظاهرة الدينية». وكنت قد اقترحت قبل ذلك عنوان «الدين العقلي والدين الوجودي عند كانط وكيركيجارد». ثم لم يعجبني العنوان، خاصة بعد أن سجلته في الدراسات العليا بالجامعة وفضلت العنوان الأول «من تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل».
وقد استفدت كثيرا من محاضرات أستاذ في تاريخ الفلسفة وهو جان جيتون أشبه بعثمان أمين في مصر، يحاضر في تاريخ الفلسفة مع التحليل الشعوري مثل برجسون. ومتخصص في المسيحية أي الكاثوليكية وفلسفة الدين، واعتقل في الحرب العالمية الثانية منذ بدايتها. ولما عرف الحكم النازي أنه فيلسوف قدموه إلى هيدجر تلميذ هوسرل في جامعة فرايبورج في الغابة السوداء، وكتب دون مراجع وهو في المعتقل اثني عشر جزءا سماها «الفكر الحديث والكاثوليكية». وهو يعيد بناء العقائد المسيحية بناء حديثا طبقا للفلسفة المعاصرة. وكانت رسالته في الدكتوراه عن «الزمان والخلود عند القديس أوغسطين».
وكان بعد محاضراته العامة يجلس في مكتب صغير ملحق بالقاعة الكبيرة مع طلبة الدكتوراه لمدة ساعة، يتحدث فيها الطلاب وهو يراجعهم. فكنت أستمع إلى محاضراته العامة في القاعة الكبرى، وأحضر في المكتب الصغير الملحق بجواره مع طلاب الدراسات العليا، ومرة طلب مني أن أتكلم عن برجسون بجانبه على المنصة أمام الطلاب؛ فقمت وشرحت برجسون في إطار تاريخ الفلسفة الغربية نهاية به وبداية بديكارت والتقاء بالعقلانية والتجريبية عند هيجل؛ فأعجب بتلك الرؤية العامة التي تضع الجزء في الكل وهو ما قمت به بعد ذلك عند العودة إلى مصر في «مقدمة في علم الاستغراب».
ومن حبي وإعجابي ببرجسون مثل هذا الأستاذ؛ ألفت كتابا عن برجسون بالعربية بعد عودتي إلى مصر. لم يلتفت إليه أحد لأنه ليس كتابا مقررا على الطلاب.
وأولت خطتي الأولى عن الطاقة والحركة من خلال كتاب برجسون «الطاقة الروحية» وعن التصور والنظام في كتابه «منبعا الأخلاق والدين».
وقد تكون هذه الذكريات تعبيرا عن كتابه «المادة والذاكرة». وقد يكون تحليلي للشعور من آثار رسالته للدكتوراه «المعطيات البديهية للوجدان». وقد تكون أفكاري عن الحركة مثل كتاب «الفكر والمحرك». وأخيرا قد تكون عزلتي عن أجهزة الإعلام أثرا مما فعل برجسون الذي كان لا يخاطب الإعلام أو يعطي حديثا صحفيا خشية من أن يأخذ الناس كلامه الإعلامي ولا يقرءون كتبه.
وقبل المناقشة، أحسست بعيوب الرسالتين وأوجه النقص فيهما وبالرغبة في إعادة كتابتهما، وقد يحتاج ذلك إلى عشر سنوات أخرى، وصممت على المناقشة بالحالة الراهنة للرسالتين، وبعد العودة إلى مصر أقوم بإعادة كتابتهما بطريقة أفضل. فليس في حياتي عشر سنوات أخرى أقضيها بالخارج، وأنا أريد العودة إلى وطني، وتأسيس جماعة علمية في الجامعة، تنقل الرسالة إلى جيل آخر، كما أنقل رسالتي إليهم الآن، وكما أخذت الرسالة من أساتذتي في مصر لأنقلها إلى جيلي هذا.
وكان لي صديق هو رشدي راشد، خرج معي من مصر إلى فرنسا في نفس العام، اهتم بفلسفة العلم ثم بفلسفة الرياضيات، وأصبح باحثا في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا. تجادلنا أنا وهو؛ أريد الرجوع إلى مصر ولو نصف عالم وأكمل النصف الآخر في وطني، كي أبدأ الزرع وأرى الحصاد في حياتي، وهو يرى ألا يعود إلى مصر قبل أن يكون عالما كاملا وليس نصف عالم. قلت له: «قد يستغرق ذلك العمر كله كي يكون الإنسان عالما كاملا، والعلم لا نهاية له، في حين أن العمر له نهاية، فلنبدأ الزرع معا حتى يأتي الحصاد.» وأصر على البقاء في فرنسا. وما زال فيها، وأصبح من كبار العلماء في تاريخ الرياضيات، وحاول أن يقيم معهدا لتاريخ العلوم في مكتبة الإسكندرية في إدارتها السابقة، ولكن شيئا لم يتم؛ فالسفينة لا تسير دون ربان، ونحن الآن في نهاية العمر وقد تجاوزنا الثمانين، ولا أدري إذا كان سيرجع يوما أم سيبقى حصاده في فرنسا والعالم.