تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي باريس كنت أنتقل بها من منزل لآخر حتى استقر بي المقام في المنزل الألماني بالمدينة الجامعية، وضعتها في غرفة الحقائب. ولما بدأت في كتابة خطة الرسالة بعنوان «المنهاج الإسلامي العام»، وكانت الخريطة تتكون من جانبين: جانب ساكن وآخر متحرك؛ الساكن يتضمن التصور والنظام، والمتحرك يتضمن الطاقة والحركة، قدمت لخطة الرسالة بحديث عن الحركات الإصلاحية وربما أكون أحد ممثليها، بل وخاتمها. قدمتها للأستاذ هنري لاوست أحد المستشرقين المعروفين بتخصصه في الحركات الإصلاحية منذ ابن تيمية، فأعجب من هذه الخطة وقال: الجزء الأول منها الذي يتكلم عن الحركة الإصلاحية جيد بالرغم مما ينقصه من بعض ممثليها، أما القسم الثاني، وهو فلسفتي الخاصة عن التصور والنظام والطاقة والحركة، فهو أقرب إلى الفلسفة العامة ولا يدخل في نطاق الاستشراق الذي يدخل فيه الجزء الأول.

فذهبت إلى أحد الفلاسفة وهو «بول ريكور» وقدمت له الخطة وقرأها بعناية قائلا: «الجزء التاريخي الأول معلومات مفيدة لمن لا يعرف الحركة الإصلاحية، والجزء الثاني أقرب إلى برجسون، فلماذا لا تدرس برجسون وتعرف فلسفته في هذه الموضوعات الأربعة وتطورها وتنتهي إلى فلسفتك الخاصة؟» وقرأها مستشرق آخر وهو عميد المستشرقين في باريس وهو لويس ماسينيون وقال: «هل درست علم أصول الفقه؟» قلت: «لا.» قال: «إن وضع منهاج إسلامي عام جدير بالاهتمام، فلماذا لا تربط ذلك المنهاج المقترح بمناهج علم أصول الفقه وتطوره حتى تنتهي إلى منهجك الخاص؟ ألم ينبه مصطفى عبد الرازق إلى أهمية علم أصول الفقه بأنه أهم العلوم الإسلامية؟ فلماذا لا تأتي عندي كل يوم وتقرأ في علم أصول الفقه؟» وأنزل لي كتاب «المستصفى في أصول الفقه» للغزالي من مكتبته الخاصة، و«المقاصد في أصول الشريعة» للشاطبي، طلب أن أقدم إليه كل يوم صباحا من التاسعة حتى الثانية عشر، وكان اكتشافا بالنسبة لي.

ولما كنت قد اتصلت بأستاذ آخر في مدرسة الدراسات العليا التطبيقية في السوربون، وكان متخصصا في الإسماعيلية والتأويل الباطني، قرأ خطتي الأولى عن الطاقة والحركة، قال لي: «لماذا لا تدرس التأويل عند الإسماعيلية؛ فهم أقرب إلى تحليل الشعور كما تفعل؟» وكانت هذه المدرسة تعطي العلم للعلم مثل الكوليج دي فرانس دون شهادات أو درجات علمية.

واحترت بين الموقفين؛ الأستاذ الأول الذي يريدني أن أدرس علم أصول الفقه وأطوره كي أقترب منه ويقترب مني، والموقف الثاني الأستاذ الذي طلب دراسة التأويل عند الإسماعيلية أو الباطنية؟ فمقولاتي عن الطاقة والحركة والتصور والشعور أقرب إلى التأويل الباطني.

وظللت في حيرة من الأمر، أعجبني تحليل علم أصول الفقه للنص، والمصلحة العامة، وطرق الاستدلال، والتعليل. وأعجبني في نفس الوقت التأويل الباطني وتحليل الشعور وتحويل النص إلى تجربة حية كما تفعل الظاهريات «الفينومينولوجيا». وكان الأستاذ كوربان قد ترجم أجزاء من كتاب «الوجود والزمان» لهيدجر تلميذ هوسرل مؤسس الظاهريات.

وقرأ خطتي الأولى فيلسوف ظاهرياتي ومن اليسار المسيحي وهو بول ريكور مع مونييه، وقال لي: «يبدو أنك ظاهرياتي بالطبيعة؛ لأن منهجك يقوم على تحليل الوعي والبحث عن الدلالات، فلماذا لا تدرس الظاهريات وتؤولها كما تشاء وتطبقها على الظاهرة الدينية؟» وظللت حائرا. فكل النصائح أشعر بجديتها وإمكان اتباعها. ولكن أين لي بالمستشرق الفيلسوف وليس المؤرخ؟ وأين لي بالفيلسوف المستشرق دون الفيلسوف الخالص؟

وقال لي أحد الأساتذة الذي قرأ الخطة لا يشرف عليك إلا فيلسوف مستشرق، أو مستشرق فيلسوف وهو ما لا وجود له إلا عند رينان والذي كان مستشرقا هيجليا، وهيجليا مستشرقا، وكان السؤال: وأين لي برينان الآن وقد توفي في القرن الماضي؟

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٤٣