تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعدها بأيام كنت أسمع صوت ضحكتها مع صديقاتها على الأستاذ المجاور والذي لا هم له إلا الدراسة والعزف على الكمان.

وفي يوم بعد أن وصلت إلى محطة المترو وجدت سيدة تدخل البوابة ضاحكة وهي «تخرم» بطاقة الصعود للمترو. ثم قالت بعد أن تعرفت علي: «أنت جاري؟» قلت: «نعم.» وقلت لها: «وأنت جارتي؟» قالت: «نعم.» ثم دعتني للقائها مساء. كنت خائفا طيلة اليوم. أفكر وأنا في الجامعة بالحي اللاتيني، ماذا أقول لها مساء عند اللقاء، وأين أقابلها؟ في غرفتي التي لا يراها أحد؟ أم في غرفتها التي تطل على الشارع؟ أم في الطرقة التي بيننا فيرانا الطالع والنازل باتجاه السلم أو المصعد الكهربائي؟

وحين عدت إلى غرفتي لم أجد صوتا من غرفتها. فرحت بأن الموضوع قد تم حله، وفهمت على الفور أنها لم تكن موجودة. وفي صباح اليوم التالي قابلتها عند مدخل المترو. فاعتذرت لي عن غيابها بالأمس، وعادت تطلب اللقاء مجددا اليوم مساء.

كانت ضاحكة بشوشة حية، تسعد من يصاحبها، ومع ذلك كنت مهموما بالفلسفة في الصباح، والموسيقى بعد الظهر، والقراءة والعزف في المساء. ولم أعرف في أي وقت أدعوها؛ فصمت، وعرفت هي أني ليس لي «مزاج» لمعرفتها؛ فتحسرت عندما قابلتها في اليوم الذي يليه عند بوابة المترو، حيث كانت تعمل، ولم تنظر لي، ولم تضحك، ولم تكلمني؛ فخجلت من نفسي، ولم أدر هل ما فعلت بالابتعاد عنها كان صحيحا أم الأفضل كان الاقتراب منها ومعرفتها؟ فالمعرفة لا تأتي فقط من الكتب، ولكن من تجارب الحياة.

ومرة وأنا آخذ القطار كل يوم وأجلس في العربة الأخيرة لكي أكون قريبا من الباب استعدادا لتغيير القطار إلى آخر، هذا الفن من الركوب في مكان معين من العربة الأولى أو الوسطى أو الأخيرة كي يكون النزول منها قريبا من الباب الذي يؤدي إلى القطار الآخر. وكانت هناك فتاة فرنسية بيضاء، ولكنها قصيرة، تركب القطار في العربة الأخيرة مثلي، وتنزل قريبا من بوابة التغيير مثلي، وبعد عدة أيام نظرت لي وضحكت، وبادلتها النظرات الخجولة، لا أعرف كيف أبدأ، كانت العبارات على لساني كي أقول: «أنت تأخذين القطار في نفس الموعد مثلي، وتركبين العربة الأخيرة مثلي، وتغيرين القطار إلى آخر من نفس البوابة مثلي.» لكن لساني لم يتحرك، ولم أقل شيئا، وتوالت الأيام بنفس التجربة، كل يوم حتى غابت عني، وغبت عنها.

وفي فرنسا وأنا في منزل «الولايات المتحدة الأمريكية» بالمدينة الجامعية، التقيت بطالبة في حجرة الدراسة بالمنزل. كانت جميلة للغاية، مبتسمة مع بعض الجدية. تنظر في الكتاب أمامها، وربما عقلها شارد. تفكر في هذا الطالب الذي يجلس في الطاولة بجوارها، ولا يفرقهما إلا الممر الضيق والذي يقسم حجرة الدراسة إلى قسمين، وأنا أنظر لها، وهي تنظر لي ولكني لا أقوى على الكلام، وكان يكفيني أن أتأمل جمالها الإنساني. وعندما تقوم وتخرج من الغرفة إلى المطعم ألاحظ رشاقة حركاتها وجسمها الرشيق، وكان من السهل أن أصاحبها إلى المطعم، ولكني لم أفعل؛ لأنني لم أتعود على هذه الطريقة التي في ظاهرها صداقة وفي باطنها ما بعد الصداقة.

وفي يوم من الأيام رأيت طالبا مغربيا طويلا عريضا يأتي إليها في غرفة الدراسة، ويصحبها إلى المطعم الجامعي، كان يأتيها باستمرار وكل يوم يسأل عنها في مكتب الاستقبال؛ فتنزل إليه. حزنت لأنني لم أستطع المبادرة قبل أن يظهر، كنت أكتفي بالنظر إلى الجمال وكأنني «نجيب الريحاني» في فيلم «غزل البنات» وهو ينظر لليلى مراد مستمعا لصوت عبد الوهاب: «وحب الروح مالوش آخر لكن حب الجسد فاني».

ولما انتقلت إلى البيت الألماني شعرت بفتاة نشطة حية ضاحكة، وهي نفس المواصفات التي كانت موجودة في حبي العذري، الأول والثاني والثالث. وبالرغم من سمارها وقصرها، تجرأت وكلمتها بالألمانية؛ فاستجابت، وكلمها ألماني آخر؛ فاستجابت، وخرجت مع ألماني ثالث. كانت تبحث عن زوج وليس عن صديق، وأنا لست مؤهلا لذلك، وكانت تبعث بالغيرة في نفس كل من يصاحبها وعندي أيضا. وظللت أعاني من هذا الحب العذري ثلاث سنوات، ثم عادت إلى ألمانيا. وبعد عدة سنوات لا أذكر سنتين أو ثلاث، عادت إلى باريس في زيارة، وعرفت مكاني حيث كنت أقيم في منزل الطلاب الرياضيين في «بول رويال»، وجاءت إلى غرفتي. كنت قد تغيرت في النظر إلى المرأة، وعرفت عيوب الحب العذري ووجعه؛ الذي استمر معي لأربع سنوات منذ 1956-1960م. كانت تنظر إلي محاولة إغرائي، كنت قد تغيرت ولم يعد للحب العذري عندي قيمة أو مكانته السابقة؛ فاستبدلته ليلتها بالحب ما بعد العذري.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١١٣