تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الجامعة في السنة الأولى التي كانت تضم أقسام علم النفس والفلسفة والاجتماع معا، وحتى السنة الثانية، ولا تفترق الأقسام إلا في السنتين الأخيرتين؛ الثالثة والرابعة. ففي السنة الأولى رأيت طالبة لها نفس المواصفات التي أحببتها في بنت الجيران؛ الجمال والرشاقة مع بعض السمنة، والوجه الصبوح، والصدر البارز. كنت أجلس في الصف الأول من المدرج الكبير، وكانت هي تجلس في الصفوف البعيدة الخلفية. كانت فلسطينية اللهجة، وكان يأتيها شاب من كلية الحقوق ليصحبها، وكنت لا أدري إن كان حبيبها أو خطيبها أو قريبها أو صديقها أو جارها. لم تحن الظروف كي أبادر وأكلمها مطلقا، وعرفت فيما بعد أنها مسيحية، وكان العقاد في ذلك الوقت قد نشر «عبقرية المسيح»، فاشتريت نسخة، وأهديتها لها واضعا إياها على مكان جلوسها، وبعد وقت قصير رأيت النسخة قد انتقلت إلى مكان جلوسي والإهداء منتزع من الصفحة الأولى. فحزنت، وقلت لنفسي: «حتى العلاقات الثقافية هي لا تريدها!»

وكان لها ابنة عم أجمل منها بابتسامتها الساحرة، وصدرها البارز. وكان أستاذ علم الاجتماع يغازلها «من تحت لتحت». وكانت ترد عليه بدلال وخفة دم. وأتساءل: «فلماذا حبيبتي قاسية القلب هكذا؟» وكنت بعد ذلك في عمان بما يزيد على خمسين عاما. وعلمت صديقتي الأردنية بأن حبيبتي كانت وما زالت حبيبتي أيضا أيام الدراسة. فاتصلت بها وجاءت ونحن في المقهى أو في الفندق لا أذكر. ولم تسلم علي ولا كلمتني، وكان معها ذلك الشاب الذي كان يقابلها ويصحبها أيام الدراسة، وفكرت ربما كان زوجها! وحزنت أكثر لأن نصف قرن لم يغيروا طبعها. وغادرت دون أن تنظر في وجهي. وأنا أتعجب من قدرة «ذكريات» على تحريك العواطف، وهي سعادة كبيرة عندما يلتقي شخصان بعد نصف قرن على مرور أيام الدراسة، ولا أعرف كيف لا يحن أحدهما للآخر! صورتها ما زالت في ذهني، وخيالها ما زال في ذاكرتي، لم يمحها النسيان.

وأثناء البحث عن غرفة على التبادل أي مجانية في مقابل مساعدة ابن صاحب المنزل في أداء واجباته المدرسية. وكانت لا توجد أي غرفة عند سؤال مكتب الخدمات الطلابية «الكوبار»، بل غرفة أخرى تقع في وسط الحي اللاتيني في «سان جيرمان» وكانت ذات أجر زهيد، حوالي مائة فرنك شهريا. فذهبت لمقابلة صاحب الغرفة فقابلتني طالبة فرنسية في غاية الجمال، وأخبرتني أنها المسئولة عن تأجير هذه الغرفة ولا شأن لصاحبها بها والذي كان يسكن في الشقة المجاورة. وكنت أرى باريس من شرفتي من أعلى، والسوربون والبانثيون «مقبرة العظماء» وحديقة لوكسمبورج، وكنت أرى الجمال الفرنسي مجسدا أمامي وبجواري. وكان المبنى الذي أقيم به يقع بجوار مبنى كلية الطب ومدرسة اللغات الشرقية الحية، والتي كنت أستخدم مكتبتها للدراسة. وعندما رأيت الطالبة الفرنسية عقد لساني لجمالها ولم أستطع التفوه بكلمة واحدة وأقرر هل آخذ الغرفة أم لا. ولم أدر حينها السبب في عقدة لساني، هل الجمال الباهر الذي رأيته من شرفة المنزل لباريس أم الجمال الباهر للطالبة الفرنسية بجواري، أم لقلة المال وتوفير مبلغ المائة فرنك شهريا اللازم لإيجار الغرفة؟ ولما لاحظت الطالبة الفرنسية صمتي وحيرتي، مسكت يدي وقالت : «لا تحزن سآتي لرؤيتك مرة كل أسبوع.» فزاد ارتباكي من أين آتى إليها بالعشاء؟ وفي أي مطعم أدعوها بالحي اللاتيني حيث كانت تكثر المطاعم؟ وماذا أرتدي ليلتها وملابسي ليست بالأناقة المطلوبة لمثل هذه المناسبة؟ ومن أين لي بالنبيذ الأحمر لنتناوله عند العودة معا؟ وهموم أخرى غيرها. ولما طال ترددي في أخذ قرار بالنسبة لتأجير الغرفة نزلنا، وسار كل منا في سبيله. أنا الريفي المصري الساذج، وهي الفتاة الفرنسية المتحضرة.

وفي فرنسا استمر الحب العذري في السنوات الأربع الأولى. في الغرفة المقابلة التي تطل على الشارع كانت تسكن فتاة أسمع صوتها في المساء. ولما كنت أعزف على كماني في المساء، فتحت الباب وقالت: «الوقت متأخر يا أستاذ، اخفض صوت الآلة.» فوضعت «السوردين» على الكمان كي أخفض صوت الأوتار.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١١٢