وتكررت لحظات الاختيار بين الموسيقى والفلسفة عندما وصلت إلى باريس، وسجلت بجامعة السوربون ومعهد الكونسرفتوار، كنت أحضر محاضرات الفلسفة صباحا في السوربون، وبعد الظهر أحضر دروس الموسيقى في الكونسرفتوار، وفي المساء أقرأ نصوص الفلسفة في نصفه الأول، وأعزف على الكمان الذي أحضرته معي من القاهرة في النصف الثاني. وظللت على ذلك سنتين، آكل مرة واحدة في اليوم بسعر مخفض في مطاعم الجامعة نظرا لقلة مواردي. وبعد أن علمت المشرفة الاجتماعية بمركز خدمات الطلاب حالتي، ومرة لم أستطع صعود السلم الصغير في المنزل الجامعي، وكنت أشعر بالإرهاق؛ فذهبت للعيادة الطبية التابعة للمدينة الجامعة، وكشفوا على صدري بالأشعة، فوجدوا بداية تجلط في الرئة اليمنى، وأخبرني الطبيب وقال لي لا بد أن أمكث في العيادة عدة أيام لاستكمال الفحوصات الطبية؛ ففعلت، ثم جاء الطبيب بطبيبة ما زالت أذكر اسمها «بون فونت» وسألتني كيف أعيش؟ فقلت: في الصباح في السوربون وبعد الظهر في الكونسرفتوار، وفي المساء أقرأ في النصف الأول وأعزف في النصف الثاني. وآكل مرة واحدة في اليوم.
ولم أكن أنا فقط الذي يشتري فيها الطالب دفاتر المطعم بأجور مخفضة. أستعمل واحدة ظهرا، وأبيع الثانية في المساء بسعر كامل، وإهانتي من أحد الطلاب الفرنسيين بقوله إنني تاجر جيد، ولكن كان مدير المطعم الفرنسي يفعل ذلك أيضا وهو ليس فقيرا؛ كان يأخذ تذكرة المطعم بالسعر الكامل وهو سبعة فرنكات ونصف، ويشبك التذكرة في عمود معدني رفيع يخرق التذكرة، ولا يقطعها، ثم يأخذ هذه التذاكر إلى المنزل قبل تسليمها إلى الجامعة ويرش مكان الخرم بالماء ثم يكويها فتعود صالحة للاستعمال مرة ثانية، ويبيعها للطلاب الفقراء مثلي بأجر مخفض؛ لأنه لم يدفع فيها شيئا، ويبيعها الطلاب الفقراء على باب الدخول للمطعم بثمن مخفض ويعطى الثمن لمدير المطعم بعد أن يضع عليها نسبته، ولم يتهمه أحد من الأجانب أو الفرنسيين بأنه تاجر جيد.
وكان مطعم كلية الطب مجاورا لمكتبة مدرسة اللغات الشرقية الحية التي كنت أقرأ فيها أحيانا، وكنت أتناول وجبة الغداء فيه، وبعد الغداء وقبل أن يغادر الطلاب المطعم وبعد غلق شبابيك الخدمة، وكان يوم أحد، يتبارى الطلاب والطالبات في رفع سلطانية الشوربة إلى أعلى وإسقاطها على الأرض، فإذا وقفت على قعرها ولم تنكسر صفق الطلبة وضحكوا إعجابا بالمباراة، أما إذا سقطت على جانبها فإنها سرعان ما تنكسر ويهلل الطلاب بالفشل وعدم المهارة، وكانت عاملات النظافة تنتظر لكي تلم قطع البلاستيك المتناثرة من أثر انكسار سلطانيات الشوربة، ويضحكن على الطلبة، ولا يهددن بنداء المدير بهذا التخريب القصدي كما نفعل في بلادنا، وكانت الطالبات يسقطنها بين أفخاذهن لضبط اتجاه الوقعة من القعر إلى الأرض، وكنت أهتم برؤية الفخذين أكثر من اهتمامي برؤية السلطانية وهي تقع سليمة أو منكسرة.
وفى فترة الغداء يخرج الطلبة والطالبات من المكتبة الوطنية يتناولون الغداء في أحد المطاعم الجامعية القريبة، ثم يذهب الجميع إلى المقاهي المتناثرة حول المكتبة. يشربون القهوة قبل العودة للدراسة أو القراءة في المكتبة، وكنت أرى من خلال زجاج واجهة المقهى، ومن الرصيف الطالب يحتضن الطالبة ولا ينظر أحد إليهما إلا أنا، فدخلت مرة أحد المقاهي كي أشرب القهوة، وكنت بمفردي، فجاءتني طالبة كانت تجلس بجواري، وحدثتني وقالت: «هاللو!» فكنت أخجل وأدعوها إلى فنجان من القهوة، فكانت تقترب مني أكثر وأكثر كما هو الحال في فيلم الخطايا. وكانت العادة أن يتقابلا في المساء بعد الانتهاء من القراءة وإغلاق المكتبة عند السادسة مساء. وكانت العادة أن أدعوها إلى العشاء في أي مقهى مجاور ونتحادث، ويشعر كل منا برغبة في الآخر، وكنت إذا دعوتها إلى شرب القهوة في الظهر فكيف لي أن أدعوها إلى العشاء مساء وأنا لا أملك من المال شيئا يذكر؟ فلم أذهب إلى المقهى في المساء وغادرت المكتبة مسرعا إلى الغرفة التي أسكن فيها على السطح وعيناي تدمعان؛ إما لفقري أو لطيبتي.