تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما عزف الموسيقى فيحتاج إلى شراء آلة الكمان التي كنت أحبها، وكانت أسرتي لا تملك الثمن، ومهما أضربت عن الطعام أو اعتصمت في المنزل في زاوية لا أتحرك بالساعات الطوال إلا أنني لم أستطع الحصول عليها. وكانوا يطلقون علي اسم «غاندي» لأنه كان معروفا بإضرابه عن الطعام حتى الموت لإجبار بريطانيا على الانسحاب من الهند. فنالت الهند استقلالها، ولم أنل أنا الكمان.

وكان والدي يصاحبني معه في الحفلات الموسيقية التي تدعى لها الفرقة الموسيقية بأكملها، وذلك كان في الحفلة الختامية لمدرسة الجيزويت الثانوية في أول شارع رمسيس من ناحية محطة مصر. لم أكن أفهم شيئا من خطب الترحيب والكلمات الرسمية للناظر والمدرسين والطلبة الأوائل. وما إن ترتفع الآلات النحاسية والتي كانت تمثل جوهر الفرقة بموسيقاها، ويرتفع معها والدي ب «الترمبون» وأسمع الأصوات الموسيقية وهي تصدح بأنغام الفرح بتخرج الطلاب في الفرقة النهائية حتى تنفرج أساريري وأرى الأضواء تنعكس على آلات النفخ النحاسية فيزداد فرحي بالموسيقى، وتتألق مواهبي الموسيقية، وأقول في نفسي ليتني أكبر، وأصبح موسيقيا مثل هؤلاء الموسيقيين! وبينما أنا أتأمل هذا الفرح أجد طبقا من الطعام المزخرف بالألوان قد وضع على فخذي من جرسون المدرسة مقدما إياه لي قبل الموسيقيين وهو يبتسم لهذا الصبي الذي لم يتجاوز عشر سنوات بصحبة الموسيقيين رغبة في سماع الموسيقى. وأشار إلي والدي وهو يعزف أن آكل؛ لأن الموسيقيين سيأكلون في فترة الاستراحة، فقد كنت في حيرة بين هذا الطعام الذي لم أر في جماله كما رأيت قبل اليوم، والاستماع إلى الموسيقى الفرحة التي أدخلت في قلبي السرور، وتمنيات المستقبل.

وظللت أفعل ذلك حتى الثانوية العامة. ودخلت مسابقة التوجيهية في الفلسفة، وكانت التوجيهية يومئذ إما علوم، وإما أدبي رياضة، وإما أدبي فلسفة. وكنت الأول على القطر المصري كله في مادة الفلسفة. ووضع اسمي على لوحة الشرف بجوار حجرة الناظر، وكانت الجائزة عشرين جنيها. ودعا ناظر المدرسة يومها الملك فاروق لحضور حفل توزيع الجوائز، وحضر الملك وأعطاني محفظة جلدية. فقدمتها لوالدي هدية حيث كان حاضرا للحفل، وقسمت العشرين جنيها أربعة أقسام: خمسة جنيهات لإصلاح أسناني، وخمسة لشقيقاتي البنات، وخمسة اشتريت بها ساعة، وكانت أول ساعة أشتريها وأرتديها، وخمسة اشتريت بها الكمان. وبدأت أعزف عليه في فرقة المدرسة. ثم دخلت معهد شفيق للموسيقى، والذي كان قريبا من سور قصر عابدين بباب الخلق.

وبعد الحصول على الشهادة الابتدائية، وبعد اكتشاف موهبة الرسم؛ رسم الشخصيات الشعرية والموسيقية، بدأت في رسم الخرائط؛ خرائط القارات الخمس وتكبيرها، وكنت أنظر للعلاقة بين البر والبحر، وأتأمل تداخل المياه في الأرض فتكون الأنهار والبحيرات، وكنت أتأمل موقع مصر بين القارات الثلاث؛ أفريقيا وآسيا وأوروبا. ولم تكن أمريكا اللاتينية قد برزت بعد إلى الوجود الثقافي كما هو الحال الآن، وكنت أندهش لاتساع قارة آسيا مقارنة بقارة أوروبا وصغرها جغرافيا مع أنها أنشط وأقوى حضاريا. وكنت أنظر إلى أفريقيا الممتدة جنوبا وأندهش من خط الاستواء الذي يقسم القارة لشمال وجنوب.

وكان زوج شقيقتي الكبرى يعمل بمصلحة المساحة، فكنت أذهب لهناك. كانت المصلحة قريبة من الجامعة، أستعين بخطاط المساحة للكتابة بالخط الثلث العريض اسم القارة على ورقة ألصقها على أسفل الخريطة التي قمت برسمها، وكأن سياحتي حول العالم فيما بعد بدأت بالسياحة على الورق وفي الخيال.

وتقدمت بطلب للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، والذي كان يسمى حينئذ معهد فؤاد، وكان المعهد يتطلب الحضور يوميا ليس فقط لتعلم العزف، ولكن لدراسة العلوم الموسيقية الأخرى مثل: الصولفيج، وتاريخ الموسيقى إلى آخر المواد التي تدرس في المعهد. وكنت طالبا في كلية الآداب في قسم الفلسفة، فكيف أحضر وأوفق بين دراسة المعهد والكلية، وكيف أجمع بينهما؟ وبالرغم من أن أبي كان موسيقيا يعزف «الترمبون»، وكان علي إسماعيل قريب والدتي موسيقيا أيضا يعزف الكلارنيت في النوادي الليلية بعد أن ترك الجيش، فكان والدي يقول لي: «أتريد أن تصبح مثل علي إسماعيل عازفا للراقصات في الملاهي الليلية؟» فلم يشجعني على مواصلة دراسة الموسيقى، ولم يتبق لي إلا أن أواصل دراستي في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكنت الأول على الدفعة في كلية الآداب قسم الفلسفة طوال الأربع سنوات مدة دراستي الجامعية، وكنت أتوق لأن أصبح معيدا بالقسم ثم أستاذا بالكلية.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٠٧