بدأ بالاستشراق الديني الذي صاغه بعض المبشرين بعد أن زاروا الشرق أثناء الحروب الصليبية، وتعرفوا على لغات الشرق وثقافاته وعادات شعوبه، وظهر فيهم العداء لهذه الثقافات والشعوب التي أتاها مصاحبا للغزوات العسكرية أو لحملات التبشير.
ولما كان الإسلام هو السائد في الشرق فلم يعترف بالوحي الإسلامي كاستمرار للوحي منذ إبراهيم حتى عيسى، واعتبر هرطقة يهودية مسيحية ظهرت في بلاد العرب، تقوم على الحس والجنس والتعصب والعنف والانغلاق والعبودية والحريم.
ثم تحول إلى الاستشراق التاريخي عندما سادت مناهج البحث التاريخي، وانتشرت المدرسة التاريخية، وسادت النزعة التاريخية في الغرب. كان الهدف هو جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الشعوب والثقافات غير الأوروبية؛ لجمع المعلومات واستخدامها من أجل إحكام السيطرة عليها بعد الغزو العسكري المباشر، وخلق طبقات جديدة متعاونة معه باسم التحضر والتمدن والحداثة والتثقيف، اعتناق المسيحية أولا، ثم الثقافة الغربية ثانيا، حتى ينسلخ المواطن عن دينه وثقافته وشعبه، ويصبح مواليا للغرب وممثلا لثقافة الرجل الأبيض داخل الشعوب السوداء في أفريقية، والسمراء في العالم الإسلامي، الشرق الأدنى، والصفراء في الصين واليابان وكوريا والهند الصينية والفلبين، الشرق الأقصى، بالنسبة لمدى قربها أو بعدها عن القوى الاستعمارية في الغرب الحديث، إنكلترة وفرنسة وإسبانية والبرتغال وبلجيكا وهولندا وأخيرا إيطاليا.
ثم تحول الاستشراق التاريخي إلى استشراق لغوي بالتركيز على اللغة لمعرفة التراث المدون، ولحسن المخاطبة مع الشعوب شفاها، ثم قادت اللغة إلى الأدب، والأدب إلى الثقافة، والثقافة إلى الحضارة بوجه عام. ووضعت القواميس والمعاجم وكتب قواعد اللغة للحضارات الأفريقية والآسيوية؛ فانتشرت ثقافاتها داخل المركز الأوروبي، وأثرت في أدبه وثقافته كما يظهر ذلك في الحركة الرومانسية الألمانية، وتأثرها بسعديا وحافظ والرومي.
ثم تحول الاستشراق اللغوي إلى الاستشراق الأنثروبولوجي والاجتماعي بالتركيز على الإنسان الأفريقي الآسيوي؛ عاداته وسلوكياته ومنظومات قيمه وذاكرته ورؤيته للعالم؛ حتى يمكن الاستيلاء عليه إلى الأبد بعد حركات الاستقلال الوطني، والتحول من الاستعمار العسكري والاقتصادي المباشر الوقتي إلى الاستعمار الثقافي والحضاري الأبدي عن طريق الفرانكفونية والأنجلوفونية والهسبانوفية والبرتغافونية. حدث في كندا والمكسيك ودول أمريكة اللاتينية والهند والفلبين ومعظم دول أفريقية.
ثم تحول الاستشراق الأنثروبولوجي الاجتماعي إلى الاستشراق السياسي بعد الصحوة الإسلامية والثورة الإسلامية في إيران، وانتشار الإسلام في أوروبة، وظهور دول إسلامية مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك في شرق أوروبة؛ فبدأ التعامل مع الظاهرة الإسلامية والحركات الإسلامية الممثلة لها، ومستقبل الإسلام السياسي. وانضم الجيل الجديد إلى المستشرقين التقليديين علماء السياسة، وتم التحول من دراسة الماضي إلى الحاضر من أجل التنبؤ بمستقبل هذه المنطقة، وإعداد سيناريوهات المستقبل للسيطرة عليها حتى لا يؤخذ الغرب على غرة كما حدث في الثورة الإسلامية في إيران. وانتشرت المؤلفات عن الإسلام السياسي، وعقدت مئات المؤتمرات الدولية والندوات المحلية والإقليمية في الموضوع لمعرفة ماذا يجري في العالم الإسلامي الآن. وهل هي صحوة تريد العودة إلى الخلف؟ وكيف يمكن إجهاضها وهي في بدايتها حتى لا تكون قطبا ثانيا في مواجهة القطب الأوحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية باسم العولمة، والقضاء على المصالح الغربية على حدوده الجنوبية والشرقية؛ النفط وعوائده، والمواد الأولية والأسواق، والموقع الاستراتيجي، وإسرائيل إذا ما عادت الحرب الباردة، وعاد الاستقطاب؟