تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثقافة جزء من وجود الدول ذاته؛ فإذا ما هددته المخاطر الداخلية أو الخارجية تحولت الثقافة إلى أداة دفاع ومقوم وجود. ومنذ أن احتمت الأمة بالقومية العربية في القرن الماضي كبديل عن الدولة العثمانية، وهي الآن تحتمي بالدولة القطرية بعد هزيمة يونيو (حزيران) في 1967م، وحرب الخليج الأولى في 1980م، والثانية في 1990م، تواجه الدولة القطرية الآن مخاطر التفتيت والتجزئة إلى دويلات طائفية عرقية مذهبية كما يحدث الآن في العراق والسودان. هنا تأتي الثقافة الوطنية التي تنصهر فيها الأعراق والطوائف والمذاهب كقارب نجاة.

وفي العالم ذي القطب الواحد، واستئساد الولايات المتحدة وإسرائيل به بعد غزو أفغانستان والعراق وكل فلسطين، لن يسمح بوجود قوة أخرى عسكرية واقتصادية وعلمية كما حدث في العراق، أو قوة مالية في مراكز تراكم ثروات النفط. فكيف تترك الذئاب والأسود غزالا يتمختر أمامها بالحداثة والعصرية ومركز اتصالات بين الشرق والغرب؟ الخوف على هذه الثروات المتراكمة من انهيار العملات الأجنبية كما حدث في جنوب شرق آسيا منذ عقد من الزمان، أو مصادرة الودائع في البنوك الأجنبية كما يحدث الآن لكل من يخرج على بيت الطاعة الأمريكي مثل إيران بتهمة النووي، ومثل المنظمات الأهلية الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية بتهمة الإرهاب، أو بتدمير الآبار في حالة عدوان أمريكي إسرائيلي على إيران، والآبار في مرمى الصواريخ من كل الجهات للقضاء على قوة مالية متنامية قادرة على شراء أصول الشركات الصناعية الكبرى في مجموعة الثمانية. وبعد حصار مصر وتهديد أمنها القومي في الشمال وفي الجنوب، في فلسطين وفي السودان، يصبح الوطن العربي كله لقمة سائغة لمن يشاء القضم والهضم.

ليست مهمة المشاريع الثقافية، الترجمة أو غيرها، توزيع بعض عوائد النفط لديكور ثقافي من مظاهر الحداثة في الدولة الريعية، بل الحرص على وجود الدولة ذاتها عن طريق الأمن الثقافي. ليست الغاية من البرامج الثقافية والمهرجانات الدولية للفنون توزيع البيض الذهبي على المشاركين، بل المحافظة على الدجاجة التي تبيض ذهبا. ليس الهدف من النشاط الثقافي توزيع الألبان من البقرة الحلوب، بل المحافظة على البقرة ذاتها من الذبح أو الاستغلال في تدوير السواقي وطواحين الإنتاج الغربي. ولماذا التضحية بالآجل في سبيل العاجل؟ لماذا التضحية بالصالح العام من أجل المصالح الخاصة؟ لماذا تكون الثقافة عالمة وافدة، وليست وطنية مقاومة؟ لماذا يكون رأس المال بلا وطن وهو قادر على الحفاظ على الأوطان؟

الفصل الثالث

| أوروبة وأمريكة وإسرائيل

الاستشراق السياحي

1

الاستشراق هو دراسة الغرب لغيره من الحضارات. الغرب ذات، والحضارات الأخرى موضوع. الغرب ملاحظ، والحضارات الأخرى ملاحظ. الغرب دارس، والحضارات الأخرى مدروس. واكب في نشأته صعود الغرب الحديث واحتلاله مكان الصدارة في العالم بعد سقوط غرناطة، آخر مدن الأندلس، وطرد المسلمين واليهود من إسبانية إلى المغرب العربي من حيث أتوا. تمثل فيه منذ البداية روح العنصرية والعداء والاسترداد؛ أي العودة إلى احتلال أراضي الغير بحرا، التفافا حول القارات، فيما سمي بالكشوف الجغرافية، بعد أن فشل برا عن طريق التوجه إلى القلب في فلسطين، والحضارة الإسلامية في آخر مرحلتها الأولى في القرن السادس الهجري. فظهرت فيه منذ البداية أهداف الاستعمار ورؤيته للعالم. بدأه المبشرون والقواد والحكام والمغامرون والمسحورون بالشرق من الغرب حتى الصين، وأنشئوا مجالات للدراسات الحضارية للصين والهند وفارس ومصر والمسلمين، وأخيرا العرب والشرق الأوسط.

وقد تطور الاستشراق في الغرب الحديث. تنوعت أهدافه، وتعددت مناهجه وأساليبه طبقا لتطور مناهج البحث العلمي ومدارس العلوم الإنسانية في الغرب.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧٦