تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مهمة الثقافة هنا مد جسور الحوار بين الأحزاب السياسية والتمسك بالثوابت الوطنية؛ فالثقافة الوطنية هي القاسم المشترك بين الأحزاب. وفلسطين أمانة في عنق العرب بصرف النظر عن أيديولوجية الأحزاب السياسية، ليبرالية أو اشتراكية، إسلامية أو ماركسية، قطرية أو قومية. الثقافة الوطنية رصيد مشترك لدى كل المواطنين، تعبر عن تاريخهم ووجودهم المشترك قبل اختياراتهم الحزبية. الثقافة وجود الأمة الدائم عبر التاريخ تعبيرا عن هويتها. والأحزاب اختيارات طبقية وقتية، تتغير بتغير المصالح والتركيب الطبقي للمجتمع والتحالفات الحزبية، والتي تهدف إلى الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، وليس بالضرورة عبر الهوية الثقافية.

يموت الحزب إذا ما انغلق على نفسه، وأصبحت الثقافة الوطنية هي الثقافة الحزبية. يجف من داخله إذا لم يسمح بضخ دم جديد لقلبه، حتى ولو كان من الأقلام غير الحزبية، والتي لها وزن ثقافي وطني كبير. يموت الحزب إذا ما تحزب وانعزل ولم يجد القاسم المشترك الذي يجمعه مع باقي الأحزاب أو مع المستقلين، وأصبح كالجهاز العصبي في الجسم يعبر عن مجموع حركته، وليس عن حركة عضو واحد حتى ولو كان القلب أو الدماغ. وتتحجر الثقافة الوطنية إذا ما تحولت إلى ثقافة حزبية، وضحت بالوطن في سبيل السلطة، وبالماضي والمستقبل في سبيل الحاضر، وبالعقل في سبيل القصر، وبوجدان الناس من أجل الاعتماد على أصواتهم للوصول إلى السلطة، ثم طلب الطاعة منهم باسمها.

وبالمثل يموت الدين إذا ما تحول إلى عقيدة، وينتهي الفكر إذا تحول إلى مذهب، ويتجمد الفن إذا ما تحول إلى تقليد. وبعد أن تنغلق الأحزاب على أنفسها يحارب بعضها بعضا بدلا من الحوار. كل منها يستبعد الآخر. حزب يخون حزبا، وحزب يكفر حزبا. والحزب الحاكم سعيد بالاقتتال بين الإخوة الأعداء الذين ينافسونه على الحكم، فيضعف الجناحان، ويقوى القلب. ويكون رجال الحزب مثل رجال الدين، كهنوتا مغلقا وسلطة أيديولوجية وسياسية على أعضائه وعلى غيره من الأحزاب، بل وعلى الدولة ذاتها. يتحول مثل الكنيسة إلى دولة داخل الدولة، وسلطة داخل السلطة، ثم يحدث الانشقاق الحزبي والصراع بين الجيل القديم والجيل الجديد، بين التقليديين والتجديديين، بين المحافظين والليبراليين، بين المنغلقين والمنفتحين؛ فيبدأ الحزب دورة جديدة كما بدأ، تعبيرا عن الثقافة الوطنية أساس البرنامج الحزبي، وعاقدا لحوار مع باقي الأحزاب لتكوين تحالف حزبي وطني عريض قادر على التصدي للمخاطر الكبرى التي تواجه البلاد. هكذا قامت حركات التحرر الوطني وحركات الاستقلال على تحالف وطني عريض قائم على ثوابت الأمة في التاريخ.

وهنا يأتي دور المستقلين الذين حرصوا على عدم الدخول في شرنقة الحزب وبوتقته كحلقة وصل بين مختلف الأحزاب. قلوبهم مع ذلك الحزب، وعقولهم مع الحزب الآخر. وعادة ما يكونون هم ميزان الاعتدال في الحياة السياسية إذا ما غامرت الأطراف، كل طرف يشد الوطن إلى ناحيته، فتميل الدولة إلى هذا الطرف أو ذاك. والدولة مثل الجبل، لا يميد ولا يميل.

وهنا أيضا يأتي دور كبار الكتاب والمفكرين والساسة الذين يتجاوزون بقاماتهم بوتقة الأحزاب؛ فنجيب محفوظ ليس وفديا وإن كان تعاطفه مع حزب الوفد، وعبد الرحمن الشرقاوي ليس ماركسيا وإن كانت الماركسية هي انتماؤه الأيديولوجي، ومحمد إقبال وعلي أحمد باكثير وسيد قطب ليسوا إسلاميين وإن كان ولاؤهم الأيديولوجي للإسلام، ويوسف شاهين ليس يساريا، ولا حسن الإمام يمينيا؛ إذ يعبر كلاهما عن ثوابت أمة وروح شعب. روائعهما تنسب إليهما وليس إلى انتمائهما الأيديولوجي. والمفكرون والكتاب كذلك؛ فليس محمد حسين هيكل ولا طه حسين ولا العقاد مفكرين وكتابا ليبراليين، ولكنهم مفكرون وكتاب خارج التصنيف الأيديولوجي، يعبرون عن ثقافة أمة ونهضة شعب. وهكذا أيضا كان كبار القادة الوطنيين في العالم الثالث في الخمسينيات والستينيات؛ عبد الناصر، سوكارنو، نكروما، جومو كنياتا، سكوتوريه، شوين لاي، ماوتسي تونج، تنكو عبد الرحمن، غاندي، نهرو، يعبرون عن أوطانهم عبر الهويات الثقافية بالرغم من انتماءاتهم الحزبية التي تقوم على الجبهة الوطنية. وما زال كاسترو وموجابي يعبران عن هذا النمط البطولي القديم. وما زالت الأوطان تولد مثلهم طالما ظهرت أشكال جديدة من الهيمنة والاستعمار؛ شافيز في فنزويلا، ومحمود أحمدي نجاد في إيران. والوطن العربي ما زال ينتظر من يملأ الفراغ، ويخرج من ضيق أروقة الحكم إلى رحاب الثقافة الوطنية.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧٠