تتغير النظم السياسية وتظل الثقافة مستقلة عنها. ولا يعني الاستقلال الثقافي العزلة الثقافية عن واقع الأمة، بل يعني الحرص على مصالح الأمة الثابتة، والالتزام بها إذا ما عصفت النظم السياسية بها. استقلال الثقافة مثل استقلال القضاء واستقلال الجامعات، هي العناصر الثابتة في وجدان الأمة؛ حرية الفكر، والعدل بين الناس، والنقد الاجتماعي.
الثقافة والحزب
كما تكون الثقافة مستقلة عن الدولة، تكون أيضا مستقلة عن الحزب؛ فالدولة سلطة كلية، والحزب سلطة جزئية. الحزب سلطة داخل السلطة، والدولة سلطة مجموع الأحزاب. الدولة سلطة شرعية بالاقتراع العام لكل الشعب، والحزب سلطة شرعية باقتراع خاص لأعضاء الحزب. أتى كلاهما عن طريق الانتخاب الديمقراطي الحر. شرعية الدولة تأتي من شرعية الحزب لأنه هو الذي اختار نظامها السياسي، وشرعية الحزب من شرعية الدولة لأنه يعمل في إطار القانون العام.
فإذا ما عملت الدولة لحساب الحزب الحاكم تسقط شرعيتها؛ لأن الدولة نظام موضوعي، في حين أن الحزب اختيار سياسي. وإذا ما عمل حزب المعارضة لصالح نفسه وليس لصالح الدولة، فقد أيضا شرعيته باعتباره ممثلا للصالح العام وليس للصالح الخاص. وتضاربت المصالح بين الدولة والحزب، بين الكل والجزء؛ مما قد يهدد بالصراع بين الشرعيتين، وربما بالانفصال وتفكك الدولة إذا مثل الحزب أحد طوائف الدولة أو أعراقها أو مناطقها الإقليمية. يصبح الحزب دولة صغرى، وتصبح الدولة حزبا كبيرا. وتضيع الوحدة الوطنية، وينتهي الولاء للوطن الأم.
وهنا تأتي أهمية الثقافة كعنصر توحيد بين الدولة والحزب، وقاسم مشترك بين السلطتين الشرعيتين في البلاد؛ سلطة الدولة وسلطة الحزب. فبالرغم من الصراع السياسي بين الاثنين إلا أنه يدور في إطار وطني عام تحميه الثقافة وترعاه. الثقافة إذن هي اللغة المشتركة بين الدولة والحزب، والجسر الموصل بينهما.
وتكمن الخطورة إذا ما تحزب الحزب ثقافيا وليس فقط سياسيا. يكيف الثقافة طبقا للسياسة، ويرد الكل إلى الجزء؛ فيتحول الصراع بين الأحزاب كما يتحول الصراع بين الأحزاب والدولة من صراع سياسي إلى صراع ثقافي، ومن خلاف في الفروع إلى اختلاف حول الأصول، ومن اختيارات سياسية إلى خيارات ثقافية، ومن برامج حزبية إلى دولة داخل الدولة.
الثقافة توحد، والأحزاب تفرق. الثقافة هي العنصر المشترك بين جميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية، والحزب هو التفضيل الخاص لبرنامج حزبي على برنامج حزبي آخر. وكلها برامج وطنية تعطي الأولوية للحرية والديمقراطية على المساواة والعدالة الاجتماعية، أو العكس تعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل بين الأغنياء والفقراء، وسيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، على الحرية الاقتصادية والليبرالية السياسية. وكلاهما صحيح، إنما القضية في التفضيل. كلاهما مطلبان فعليان، ولكن الخلاف في فقه الأولويات، وهو فقه شرعي.
مهمة الحزب ليس التقوقع على النفس، والانغلاق على الذات، وإلا ضمرت قواعده، وجمدت حيويته، إنما مهمته فتح أبوابه، ومد الجسور مع باقي الأحزاب، وتوسيع قاعدته من أجل تحقيق تحالف وطني عريض، وإقامة جبهة وطنية عامة، أو ائتلاف وطني تنصهر فيه الأحزاب من أجل عرض اختيارات بديلة للحزب الحاكم. مهمته التفرقة بين التناقضات الفرعية والتناقضات الرئيسية؛ فالحزب الليبرالي قد يتحد مع الحزب الاشتراكي كما هو الحال في معظم الأحزاب الليبرالية الاشتراكية أو الديمقراطية الاشتراكية. أما التناقضات الرئيسية فهي بين الحزب الليبرالي والحزب التسلطي، وعادة ما يكون هو الحزب الحاكم، بين الحزب الاشتراكي والحزب الرأسمالي الإقطاعي الذي عادة ما يكون حزب النخبة السياسية التي بيدها السلطة والثروة، وبين الحزب القطري، مصر أولا، الأردن أولا، الكويت أولا، والحزب القومي الذي يعطي الأولوية للمصلحة القومية على المصلحة القطرية، بين الحزب الذي يدعو إلى الصلح والتطبيع مع إسرائيل، والأراضي العربية ما زالت محتلة في فلسطين وسورية ولبنان، والحزب الذي يدعو إلى أنه لا صلح ولا اعتراف ولا تطبيع مع إسرائيل قبل أن تنسحب من الأراضي المحتلة، وتلتزم بالشرعية الدولية الخاصة بتقسيم وعودة اللاجئين، والحدود المعترف بها دوليا، وعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة.