تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سني شيعي؟ كلما اشتدت المقاومة العراقية في العراق، وغرقت القوات الأمريكية في رماله، كما غرقت من قبل في أوحال فيتنام، تحول الصراع بين المقاومة والاحتلال إلى الصراع بين السنة والشيعة. وبدلا من الحديث عن مآسي الاحتلال، يتم الحديث عن الخطر الشيعي على العراق والخليج وعلى أهل السنة بالإجماع. وكما تتزعم إيران المذهب الشيعي، تتزعم السعودية أو باكستان المذهب السني. وتقام أحلاف جديدة على أساس مذهبي سني شيعي، وليس على أساس وطني؛ استقلال وتبعية. ومع الخطر الشيعي الإيراني يأتي الخطر النووي الإيراني، وكأن الخطر الإسرائيلي لم يعد هو الخطر الأول.

ويزيد الاستقطاب الديني والاجتماعي والسياسي الاستقطاب الرياضي بين الأندية الرياضية، خاصة فرق كرة القدم. وتخرج المظاهرات في الشوارع تحمل الأعلام الحمراء ليس دفاعا عن الاشتراكية، والأعلام البيضاء ليس من أجل السلام. وتملأ أخبار النجوم والرياضة الصحف والمجلات أكثر من صور الشهداء وأبطال المقاومة.

وإن كان لا بد من الاستقطاب في الداخل فلا أحد يتحدث عن الاستقطاب بين القاهر والمقهور، بين الظالم والمظلوم، بين الأغنياء والفقراء، بين دعاة التوريث وأنصار تداول السلطة.

إن الاستقطاب ضد الحوار، كما أن التوحيد ضد الخلاف. وبدلا عن الاستقطاب الحوار بين وجهات النظر المتعددة. الاختلاف حق شرعي، وحله بالحوار الوطني، والاجتماع على حد أدنى من المصالح الوطنية ضد مخططات التجزئة والتقسيم. ولماذا تقع الأوطان بين المطرقة والسندان؛ مطرقة عوامل التفتيت العرقي والمذهبي والطائفي من قبل القوى الخارجية، وعوامل الاستقطاب الداخلي بفعل القوى الداخلية؟ ولماذا تصبح الثقافة الوطنية ضحية بين عجز أبنائه وجهل علمائه؟

العلمانية والسلفية

بعد تخلي مصر عن دورها الإقليمي في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وانكماشها وانكفائها على ذاتها، والسعي وراء لقمة العيش، وضمور الخيال السياسي، ونسيان الدوائر الثلاث، العربية، والأفريقية الآسيوية، والإسلامية، التي تطبقها إسرائيل الآن باحتلالها مركز مصر في أفريقية وآسيا. أصبحت تركية وإيران أهم دولتين إقليميتين حول مصر، شمالا وشرقا. تتفاوض معها قوى الهيمنة الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية، على قضايا الوطن العربي في فلسطين والعراق، بل والعالم الإسلامي في أفغانستان.

وكما تحتاج مصر إلى ثقتها بنفسها وبقدرتها على التأثير في محيطها وفي مجالها الحيوي، تحتاج تركية وإيران أيضا إلى إعادة بنائهما من الداخل. تحتاج تركية إلى إعادة النظر في تاريخها الحديث منذ إلغاء الخلافة في 1923م وتبني النموذج الغربي. كما تحتاج إيران منذ ثورتها المعاصرة في 1979م إلى إعادة تكوين جبهتها الداخلية حتى تكون ركيزة تحديها لقوى الهيمنة الخارجية.

كان الضابط مصطفى كمال على حق أولا في القيام بثورته ضد نظام الخلافة الذي أدى في رأيه إلى احتلال اليونان لتركية حتى أبواب أنقرة، وقد كانت تركية من قبل باسم الخلافة على أبواب فيينا.

وكان على حق ثانيا في رؤيته مظاهر القهر الداخلي في تركية للمعارضين القوميين العرب والأرمن وباقي الأقليات، بعد أن كان نظام «الملة» من قبل قادرا على لم شمل أقطار الخلافة، كما فعل ميثاق المدينة من قبل في جمع العرب حول الدين الجديد. وكان على حق ثالثا في القضاء على مظاهر التخلف من شعوذة وخرافة وسحر وجهل وسيطرة رجال الدين، وتبني النموذج الغربي القائم على العقلانية والإنسانية والتقدم والمجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية والحداثة. وقد كانت هذه قيم الإسلام في عصره الذهبي، والتي أقام على أساسها العمران كما يشهد بذلك إبداع المسلمين في العلوم الرياضية والطبيعية، وآثارهم في الأندلس؛ غرناطة وأشبيلية وقرطبة وطليطلة. وإستانبول مدينة الألف مئذنة مثل القاهرة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٤٦