تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصل حد الاستقطاب في الداخل إلى حد الحروب الأهلية كما حدث في لبنان والجزائر بين الإخوة الأعداء. فريق يكفر فريقا، وفريق يخون فريقا. فشق الصف الوطني، وضاعت وحدة الأوطان، واختفت ثقافة الحوار، وأصبحت الأوطان مهددة ليس فقط بقوى التفتيت الخارجية وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، بل أيضا بقوى التفتيت الداخلية صراعا على السلطة بين فرقاء الوطن الواحد. الاستقطاب الخارجي استقطاب رئيسي تتحدد طبقا لقوانين الصراع فيه حياة الأمم والشعوب، في حين أن الاستقطاب الداخلي لا نفع منه في قضايا مفتعلة. وبلغة الأيديولوجيا، الاستقطاب الخارجي تناقض رئيسي، والاستقطاب الداخلي تناقض ثانوي. والرئيسي له الأولوية على الثانوي. الأول استقطاب عملي يغير مسار الشعوب، ويتحدد به مستقبل الأمم، في حين أن الثاني استقطاب نظري فقهي لا ينتج منه أي أثر عملي. ولا يحقق تقدما لشعب، بل يساهم في تأخره. ولا يحل مشكلة في حياة الناس، بل يزيد في تهميشها.

ومظاهر الاستقطاب كثيرة. أهمها الاستقطاب الديني: حجاب أم سفور؟ شريعة إلهية أم اختيار إنساني، جبر شرعي أم حرية شخصية؟ وبطبيعة الحال تنقسم الآراء بين فريقين؛ محافظين وليبراليين، تقليديين وتجديديين، سلفيين وعلمانيين. ويتحزب الناس، وينتصرون لذا الفريق أو ذلك. يزايد فريق في الدين والإيمان، ويزايد الفريق الآخر في الحداثة والعصرية. ويدخل الإحراج الشخصي والخوف الاجتماعي كحجج وبراهين؛ فلا أحد يجرؤ على عصيان الشريعة، ولا أحد يريد التنازل عن حرياته الشخصية. والله في القلب وليس وراء الأحجبة، في السرائر وليس في المظاهر. والفضيلة في السلوك وليست في الغطاء.

توحيد الأذان من مؤذن حسن الصوت من خلال أجهزة الإعلام الحديثة أم الإبقاء على تعدديته بأصوات كريهة، رجالا وأطفالا، تتداخل فيما بينها نظرا لقرب المساجد بعضها من بعض، وعلو مكبرات الصوت والمنارات.

يختلف الناس بين الإبقاء على التعدد في الأذان حتى ولو أدى ذلك إلى صراخ وصخب وصمم للآذان؛ فلكل مسجد أذانه، ولكل مؤذن صوته، وهي عامة الناس؛ وبين التوحيد المتناغم إبقاء على الغاية وهي اليقظة، مع حسن الوسيلة وهو الصوت الواحد المتناغم، وهو رأي النخبة والدولة.

استعمال مكبرات الصوت أم الصوت الطبيعي؟ يصر دعاة الإيمان على استعمال مكبرات الصوت؛ فلا فرق بين الإيمان والإعلام. ومكبرات الصوت أكثر قدرة على إيقاظ الوسنان وغفلة النائم. ولماذا لا تستعمل التكنولوجيا في الدين؟ ويتبارى الأغنياء في شراء أحدث الأجهزة الإلكترونية من مضخات الصوت من المحسنين والمتصدقين وفعلة الخير لنيل حسن الثواب في الآخرة بعد الثراء في الدنيا. ويرى دعاة الحياء والاطمئنان أن الصوت الطبيعي أقرب إلى القلب ومدعاة للخشوع من تضخيمه بالآلات الحديثة كما يتم في الأفراح والموالد وافتتاح المحلات التجارية. ويفترق الناس بين من يرى أن الإيمان إذاعة وانتشار ودعاية وإعلان وإعلام، وبين من يرى أن الإيمان أقرب إلى التقوى والقلب والصمت والاطمئنان الداخلي دون حاجة إلى صخب خارجي.

توحيد خطب المساجد يوم الجمعة أم تركها متنوعة طبقا لاختيار الأئمة؟ من يرى التوحيد هم رجال الدين الرسميون ووزراء الأوقاف والشئون الدينية، الذين يودون الإبقاء على خطب المساجد تحت رقابة الدولة حماية للبلاد من التطرف والشطط، وإدخال الدين في السياسة، واتقاء شر معارضة الحكومة بما للمساجد من أثر في تكوين أذهان العامة. وكما أفرزت المساجد فقهاء السلطان والحيض والنفاس، فإنها أيضا أفرزت فقهاء الأمة ومصالح الناس والثوار ضد الظلم والقهر والفساد والاحتلال. وينقسم الناس بين مؤيد لتوحيد الخطبة، وهم رجال الدولة مع بعض البسطاء من العامة، وبين المبقين على تعددها؛ فكل بيئة لها مصالحها، وأهل مكة أدرى بشعابها، وهي المعارضة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٤٤