ومما تقدم يتضح أن هناك ترابطاً قوياً وانسجاماً متلاحماً بين مقاصد التأديب والإصلاح فكلاهما يهدفان إلى حفظ الفرد وصلاحه واكتسابه المحامد والشمائل والخلال العالية الرفيعة .
وقد ثبتت مشروعية التأديب وشروطه وضوابطه ، وهو ما سأتناوله في المبحث الرابع .
المبحث الرابع
مشروعية التأديب في مصادر التشريع
شرع النظام الإسلامي التأديب كوسيلة من وسائل التقويم والإصلاح وجعل أمر مسؤوليتها في عنق الولي أو الأولياء . وقد ثبتت مشروعية هذا الحق بأدلة كثيرة نذكر بعضاً منها :
أولاً : الأدلة من الكتاب العزيز
قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ٍ ﴾ (1) . أبان الفقهاء أن وجه الاستدلال بالآية هو الأمر بوقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل الطاعات (2) ، ووقاية الأهل بأن يؤمروا بالطاعة وينهوا عن المعصية ويصلح الرجل أهله إصلاح الراعي للرعية . ويدخل في هذا الأمر الزوج ، لأن زوجته من أهله ووقايتهم تكون بالنصيحة والإرشاد وإلا فبوسائل التأديب الأخرى المشروعة كالهجر والتوبيخ مثلاً (3) . وروي عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في تأويل الآية « علموهم وأدبوهم » (4) ، وقال أيضاً : « قوا أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم » (5) ، وذكر الإمام شيخ الشافعية الكيا الهراسي ﴿ 451هـ ﴾ رحمه الله في تعلقه على الآية : " وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب ، وهو ما يستدل به من الآية الكريمة وغيرها" (6) .
(1) ) ... التحريم : 6 .
(2) ) ... روح المعاني : 10/156.
(3) ) ... الجامع لأحكام القرآن : 18/127 .
(4) ) ... رواه الحاكم في المستدرك . كتاب التفسير ، في تفسير سورة التحريم : 2/536 ، وقال هذا الحديث صحيح .
(5) ) ... الجامع لأحكام القرآن : 18/127 .
(6) ) ... أحكام القرآن للهراسي : 4/426 .