وقد أخذ الرشيد من كل ما فكر وشاور يقضي على البرامكة قضاء شنيعا؛ فقتل بعضهم، وسجن بعضهم إلى أن يموت، وقتل من تولاهم من الشعراء، ومن كان يقف ببابهم، وتنتهي بذلك دولة البرامكة، ويسترد الرشيد سلطانه، ويعيد إلى نفسه سلطانهم وعظمتهم.
الناس قسمان!
والناس في كل زمان ومكان ينقسمون إلى قسمين: قسم - وهم الأغلب - يميلون مع الريح كيف تميل، لهم قدرة على شمها من أين تأتي، فهم يتجهون معها كلما هبت من ناحية، لا بأس أن يتجهوا في الصباح اتجاها وفي المساء اتجاها آخر مناقضا، لا يحركهم إلا ترقبهم لمصلحتهم الشخصية، فإذا قال رئيسهم: أسود قالوا: أسود ... وإذا قال: أبيض قالوا أبيض، لا يقمعهم ضمير، ولا تصدهم أخلاق، وقسم - وهو القليل - وفي ثابت على مبدأ ... يحتمل العذاب في سبيل ثباته، ليس عبدا للمال، ولكنه عبد للضمير.
وقد كان هذا شأن الناس مع البرامكة ... فمنهم من جحد فضلهم، وانقلب عليهم بمجرد أن أحسوا غضب الرشيد عليهم، أو تملقا للفضل بن الربيع؛ لأنه كان يتوقع انتصاره، كالذي يقول:
قل للخليفة ذي الصنا
ئع والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قري
ش والملوك العاليه
رأس الأمور وخير من
ساس الأمور الماضيه
إن البرامكة الذي
ن رموا لديك بداهيه
عمتهم لك سقطة
لم تبق منهم باقيه
فكأنهم مما بهم
أعجاز نخل خاويه
صفر الوجوه عليهم
خلع المذلة باديه
مستضعفون مطردو
ن بكل أرض قاصيه
ومنازل كانوا بها
فوق المنازل عاليه
أضحوا وكل مناهم
منك الرضا والعافيه
وكالذي يقول على لسان الرشيد:
يا آل برمك إنكم
كنتم ملوكا عاتيه
فعصيتم وطغيتم
وكفرتم نعمائيه
أجرى القضاء عليكم
ما خنتموه علانيه
من ترك نصح إمامكم
عند الأمور الباديه
أما الآخرون فكالذي يقول:
إن البرامكة الكرام تعلموا
فعل الكرام فعلموه الناسا
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا
لم يهدموا مما بنوه أساسا
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى
جعلوا لها طول البقاء لباسا
ومن هذا القسم الثاني ما روي عن أبي زكار الأعمى - وكان شاعرا مغنيا - وقد ذكروا أنه كان منقطعا للبرامكة يشعر فيهم ويغنيهم ... وكم بكى على مقابرهم بعد موتهم، وقد روى الأغاني أنه لما أمر الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخل عليه مسرور الخادم فوجد عنده أبا زكار الأعمى، وكان يغنيه بالأبيات الآتية:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي
عليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوما
وإن بقيت تصير إلى نفاد
وهل يغني من الحدثان شيء
فديتك بالطريف وبالتلاد
فلما أراد أن يقبض على جعفر قال له أبو زكار: «ناشدتك الله إلا ألحقتني به» فقال له مسرور: «وما رغبتك في ذلك؟» فقال: «إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده»، وحكى مسرور ذلك للرشيد فقال: «هذا رجل فيه مصطنع، فاضممه إليك فانظر ما كان يجريه عليه جعفر فأتممه له»، وهي رواية تخالف بعض الشيء الرواية السابقة في مقتل جعفر.
كما كان من الأوفياء كثير من الصالحين والشعراء، فيروون أنه لما بلغ سفيان بن عيينة - الإمام المشهور - خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى القبلة، وقال: «اللهم إنه كفاني مؤنة الدنيا، فاكفه مؤنة الآخرة.»
ورثاهم كثير من الشعراء، فقال الرقاش:
هدأ الخالون من شجو فناموا
وعيني لم يلامسها منام
وما سهري لأني مستهام
إذا أرق المحب المستهام
ولكن الحوادث أرقتني
فلي سهر إذا هجد النيام
أصبت بسادة كانوا نجوما
بهم نسقى إذا انقطع الغمام
على المعروف والدنيا جميعا
ودولة آل برمك السلام
فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى
حساما فله السيف الحسام
أما والله لولا خوف واش
وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا
كما للناس بالحجر استلام
وقال دعبل الخزاعي:
ولما رأيت السيف صبح جعفرا
ونادى مناد للخليفة يا يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما
قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا