وماذا يجري للدنيا لو كانت هناك أسباب مختلفة تنتج سببا واحدا؛ فقد عمل على إسقاط الدولة الأموية أسباب عديدة، وأبو العلاء بكل بساطة مؤمن حينا كافر حينا، شأنه في ذلك شأن أكثر العقلاء في الحياة؛ يرون من مظاهر الدنيا ما يحملهم على الكفر أحيانا، ويرون منها ما يحملهم على الدين أحيانا، بل حكى لنا الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» أنه آمن إيمان العجائز أحيانا، وشك أحيانا، وآمن بالكشف أحيانا، فلم لا تكون نكبة البرامكة ناتجة من جملة أسباب لا سبب واحد، أولها: غيرة الرشيد من سلطانهم، وثانيها: عطفهم على العلويين، وثالثها: علاقة جعفر بالعباسة، إلى غير ذلك، على أنه ما يدرينا لعل الرشيد نشر في الناس علاقة جعفر البرمكي بأخته ليستثير كره الناس لهم، ويستخرج غضبهم ومقتهم، وإلا فلو نظرنا إلى المسألة بالعين العادية لم نجد فيها محلا للغضب والمقت.
حتى ولو صح فما في هذا مأخذ على شاب يألف زوجته، ويتصل بها.
قاتل الله السياسة
وليس قدر جعفر ولا أصوله بأقل من قدر الرشيد نفسه وأخته، إلا أن الرشيد فخور بعربيته، وجعفرا فخور بفارسيته، والرشيد فخور بابن عباس ... وجعفر فخور بجده برمك، والإسلام يقول: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولو خطب الرشيد لأخته ما عثر على مثل جعفر، ولكنها السياسة أرادت أن تكره الشعب في البرامكة؛ فاخترعت لها اختراعات متعددة من مثل هذا الزواج الذي ليس فيه ما يؤخذ عليه، ورميهم البرامكة بالزندقة، ونحو ذلك ... وكلها خوفا من الناس أن يثوروا على الرشيد لفتكه بقوم عدول في حكمهم، كرماء لقصادهم، محبين لمن يتصل بهم ... وقاتل الله السياسة! •••
على كل حال غضب الرشيد عليهم من كثرة ما سمع من الفضل بن الربيع، ومن زبيدة وأنصارهما، ونوى أن يسلبهم سلطانهم، ويسترد تصرفه كما يشاء، وأخذ يستشير غيرهم من مثل يزيد بن مزيد الشيباني، وهرثمة بن أعين، فأخذ الرشيد يتغير قلبه على البرامكة، ويستقبح منهم ما كان يستحسن، فحدثنا الجهشياري، أن الرشيد سمع مرة ضجة شديدة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: يحيى بن خالد ينظر في أمور المتظلمين، فدعا له الرشيد، وقال: «بارك الله فيه، وأحسن جزاءه ... فقد خفف عني، وحمل الثقل دوني، وناب منابي»، ثم ذكره ذكرا جميلا ... وأمن الحاضرون على قوله، وزادوا في ذكر محامده.
هذا أيام الرضا ... أما حين تغير قلبه فقد ارتفعت ضجة شديدة كتلك، فقال الرشيد: ما هذا؟ فقيل: يحيى بن خالد ينظر في أمور المتظلمين ... فذمه، وسبه، وقال: «فعل الله به، وفعل ... استبد بالأمور دوني، وأمضاها على غير رأيي، وعمل بما أحبه دون محبتي، فأمن الحاضرون على رأيه، وزادوا في ذكر المساوئ.»
ودخل يحيى مرة أخرى على الرشيد، وهو خال فانتظر قليلا ... فلم يفتح له حديثا فاستأذن وخرج، فقال الرشيد لبعض الخدم: الحق بيحيى ... فقل له: «خنتني فاتهمتني» فقال للرسول: «تقول له يا أمير المؤمنين، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة ... ووالله ما انصرفت عن خلوتك إلا تخفيفا عنك.» •••
ومما يؤيد رأينا في أن السبب الأكبر في نكبة البرامكة غيرة الرشيد منهم، وحبه لاسترجاع سلطانهم وأموالهم ... ما رواه الجهشياري من أن يحيى لما أحس من الرشيد تغيره عليه ركب إلى صديق له من الهاشميين، فشاوره في هذا الموقف، فقال له الهاشمي: إن أمير المؤمنين قد أحب جمع المال، وقد كثر ولده ... فأحب أن يجمع لهم الضياع، فلو نظرت إلى ما في أيدي أصحابك من ضياع وأموال فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت بها إليه رجوت لك السلامة.
فهذا يدل على أن من أكبر أسباب غضب الرشيد على البرامكة أيضا حسده لهم وطمعه في أموالهم.
وليس المال يقصد لذاته، وإنما يقصد للسلطان والعظمة ... فإذا طمع الرشيد في مالهم فطمعه في سلطانهم أشد، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه، خصوصا وأن الرشيد قد كبر وفهم المسئولية وقدر عليها، فأراد أن يزحزحهم عن سلطانهم، ويحل محلهم.