وكان الرشيد في حروبه الكثيرة مع البيزنطيين يفتح بلادا ومدنا تحتوي كتبا يونانية ورومانية كثيرة، فلم يكن يحرقها أو يبددها؛ بل ينقلها إلى بغداد في عناية ... من ذلك أنه عثر أثناء حروبه في أنقرة وعمورية على كثير من الكتب، فحملها إلى بغداد، وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها إلى العربية، كما أمر الحجاج بن مطر بترجمة كتاب إقليدس في الهندسة، وكانت ترجمته إلى العربية هذه لأول مرة، ثم ترجم فيما بعد ترجمة ثانية، وميزوا الأولى بأن أطلقوا عليها الترجمة الهارونية نسبة إلى هارون الرشيد.
وشاركه العظماء في ذلك؛ فيحيى بن خالد البرمكي أمر أيضا بترجمة كتاب المجسطي، ثم جاء بعد ذلك المأمون فاستغل ما ترجم قبله، وزاد عليه كثيرا، والناس على دين ملوكهم ... فلما رأوا المأمون يميل إلى ترجمة الكتب، وينفق على ترجمتها عن سخاء اتبعوا مذهبه، وقد ساعده على ذلك نضوب الحركة التي بدأت قبله، كما ساعده أيضا وجود جماعة من أحرار الفكر من المعتزلة حوله كأبي الهذيل العلاف والنظام.
وقد أبلى بلاء حسنا في هذه الترجمة السريانيون ... فقد كانوا أكثر اتصالا بالفلسفة من قبل العرب، وكانوا قد نقلوا كثيرا من الكتب اليونانية إلى اللغة السريانية، وكانوا يعلمون اللغة اليونانية في مدارسهم وأكثرها في العراق، فلما انتقل كرسي الخلافة إلى بغداد، ورأوا حاجة المتكلمين بالعربية إلى هذا العلم، حولوا ما نقلوا من السريانية إلى العربية؛ طلبا للرزق، وحبا في التقرب إلى الناطقين بالعربية.
حدة مزاج الرشيد
ولقد كان الرشيد مثقفا ثقافة واسعة، وكان كبير العقل عالي الهمة كريم النفس ... ولكنه من ناحيته العاطفية كان حاد المزاج؛ يكون في مجلس وعظ ودين فيتدين، ويفرط في التدين، ويصلي مائة ركعة في اليوم، ويحج ماشيا، ويكون في مجلس غناء أو شراب فيملكان عليه قلبه، ويرضي عن البرامكة فلا حد لرضاه، ويغضب عليهم فلا حد لغضبه، ويعفو حتى ليظن الظان أنه لا يعاقب، ويحلم حتى يعفو في مواضع العقاب، ويغضب فيخاف من حوله من الحديث معه؛ كالذي روي أنه لما عاد من حروب الروم بلغه أن نقفور نقض العهد الذي عهده، فخاف وزيره من إلقاء الخبر عليه، فأوعز للشعراء أن يخبروه بالخبر، فقال عبد الله بن يوسف:
نقض الذي أعطيته نقفور
فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه
غنم أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح مؤيد
بالنصر فيه لواؤك المنشور
فلقد تباشرت الرعية أن أتى
بالغدر منه وافد وبشير
ورجت يمينك أن تعجل غزوة
تشفي النفوس مكانها مذكور
نقفور إنك حين تغدر إن نأى
عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت
هبلتك أمك ما ظننت غرور
وقال أبو العتاهية:
تجلبت الدنيا لهارون بالرضى
وأصبح نقفور لهارون ذميا
وقال غيره:
لجت بنقفور أسباب الردى عبثا
لما رأته بغيل الليث قد عبثا
فلما علم عاد من وقته يحاربه، وهكذا العاطفة الحادة تكون كجو أمشير؛ هادئة في لحظة، ثائرة في لحظة ...
حظه أكبر من صفاته
وربما كانت شهرته أكبر منه، وحظه أكبر من صفاته، ولكنها الدنيا إذا أقبلت على أحد وهبته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، والحق أن العشرة الأولين من الخلفاء العباسيين كانوا كلهم عظاما إذا استثنينا الأمين.
وكان لكل منهم ميزة في تأسيس الدولة العباسية، ورفع شأنها ... ولكن لم ينل أحد من الحظ ما نال الرشيد، وحتى الأمين لا نستطيع أن نصدق كل ما روي عن بلاهته وغفلته.
فقد وضع عليه القصاصون حكايات كثيرة لا تتفق مع ترشيحه للخلافة في ذلك العصر، ومع تربيته تربية دقيقة رباه بها الرشيد.
ولكن المؤرخين دائما مولعون بالاستهانة بمن سقط في الميدان، وإعلاء شأن من نجح فيه، ولو كان الأمين قد تغلب على المأمون لانعكست الآية من عصر إلى عصر ... خصوصا وأن التاريخ الأول للأمين وضع في عهد خصمه المأمون، وانتقل بعد ذلك.