تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال اختلطت هذه الثقافات كلها، وصبت في بغداد، وتأثر بهما المسلمون إلى حد كبير، وكانت الزينة العقلية في بغداد في عصر الرشيد، واختلف الناس في الاستفادة منها بمقدار عقولهم وظروفهم، هذا يميل إلى الفرس، وهذا يميل إلى الهند، وهذا يميل إلى اليونان، وهذا يميل إلى الرومان.

دروس وتجارب

وبعد هذه المرحلة كان هناك من المسلمين من يصح أن يسموه كتاب دوائر المعارف مثل الجاحظ وأمثاله، وكانت هذه الثقافات سببا كبيرا من أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية، وحسن سمعة الرشيد، على أن للرشيد بجانب هذه الدروس العربية التي كان يتلقاها دروسا أخرى من النظام الفارسي، كان يتلقاها باللغة العربية من يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن يحيى، وجعفر، وأمثالهم، وكان يتلقى بالعربية من اليونانية عن جبريل بن بختيشوع طبه وفلسفته، إذ كان الطب ملونا باللون اليوناني.

وكانت هناك ثقافة تفوق ذلك كله، وهي تجاربه في الحياة مما كان يرى في قصر أبيه، وما كان يراه من الجواري المختلفة الأجناس حوله، ومن حروبه المختلفة، ومما كان يشاهده من أبيه المهدي أيام حروبه للزنادقة، وامتحانه لهم، وتوجيه التهم إليهم ومحاكمتهم، ومن الأيام القاسية التي قاساها أيام كان أخوه الهادي يريد حرمانه من ولاية العهد، وتولية ابنه. •••

وإذا كانت الحياة كلها دروسا؛ فقد كانت دروسه كثيرة من كثرة ما لاقى، وما شاهد، وما سمع، وتمت تجاربه بعد أن نكل بالبرامكة، وتولى هو ما كان لهم من سلطان، وما كانوا يحملون من تبعات، وكان له ذوق في الشعر حاد شديد، وكان ذواقا يطرب للشعر، فيجلس من اتكاء، أو يقف من جلوس، وإذا كره شاعرا غضب منه غضبا شديدا، وكان له مذهب خاص في الشعر؛ يقول أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: إن منصورا النمري ظفر بحظوته عند الرشيد؛ لأنه عرف مذهبه في الشعر، وهو أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي، والطعن عليهم، وقد تعلم ذلك مما كان يبلغه من تقديم الرشيد لمروان بن أبي حفصة، وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز، فسلك في ذلك مسلك مروان، ونحا نحوه، وذلك مثل قوله:

خلوا الطريق لمعشر عاداتهم

حطم المناكب كل يوم زحام

ارضوا بما قسم الإله لكم به

ودعوا وراثة كل أصيد حام

أنى يكون وليس ذاك بكائن

لبني النبي وراثة الأعمام

الترجمة في عهد الرشيد

وفي عهد الرشيد عني العلماء أكثر مما كانوا من قبل بترجمة الكتب؛ ذلك أنه بدأت بشائر قليلة في الترجمة في عهد المنصور، فكان من جهة ممعودا يحتاج إلى أطباء ليعالجوه، ومن جهة أخرى كان ميالا إلى التنجيم؛ من كثرة ما خالط الشيعة، فلا يكاد يعمل عملا إلا استشار فيه المنجمين ... لذلك عني بالطب والنجوم، وقد كانت مدينة جنديسابور مشهورة بالطب من عهد كسرى، فاستقدم المنصور أحد أطبائها، وحمله على أن يقيم معهدا ببغداد كمعهد جنديسابور، كان هذا الطبيب يعرف اللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، والعربية، فلما رأى المنصور يقربه نقل له كتبا طبية من اليونانية غير التي ألفها باللغة السريانية، وعكف الناس على هذه الكتب، وقد قالوا: إن ابن المقفع نقل أيضا من كتب الفرس إلى العربية كتبا في المنطق والطب، كان الفرس قد نقلوها من اليونان.

فلما جاء المهدي كان الناس قد نضجوا بعض النضج في الترجمة؛ بفضل ما وضع في عهد المنصور، ولكنه شغل بحركة الزندقة؛ لأن المترجمين لم يقتصروا على ترجمة كتب الطب والتنجيم وغيرها، بل ترجموا أيضا كتب الزنادقة.

فلما فشت الزندقة في أيامه تفرغ لها، وقتل من اعتنقها من جهة، وأمر المتكلمين من جهة أخرى بالرد عليهم، وخصوصا المعتزلة.

وقد كانت نزعة الرشيد أقوى، وزمنه أهدأ، وماله أكثر، خصوصا وقد توافد على بغداد كثير من العلماء العارفين باللغات من السريان، والفرس، والهنود، والروم، وكان منهم من تعلم اللغة العربية؛ لأنها اللغة الرسمية للدولة، فحملهم على ترجمة الكتب، وقد توسعوا في الترجمة، وترجموا غيرها من فروع الفلسفة ... إذ كان الطب والتنجيم يعدان فرعين من فروعها، بجانب المنطق وما وراء الطبيعة، والطبيعة، وغير ذلك. •••

هارون الرشيد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٢٩