يذكرني هذا بمدينة الشطرة التابعة للناصرية في الجنوب العراقي. ذهبت إليها سنة (1989) في رحلة تجارية غير موفقة. وفي السوق المزدحم بالبشر – والذباب أيضاً – مررت ببائع فواكه وخضروات. كانت إحدى السلال المعروضة أمامه تحتوي عنباً أسود.. ولكن أي نوع من العنب؟ وعلى أي حال كان؟! باختصار: لم أستطع أن أفرق كثيراً بين العنب القديم الذي انكمش وتمزق أكثره، وبين الذباب الفاطس الذي تداخل معه وهو يغوص ويطفو في المحلول الذائب تحته. لا أنسى ذلك الموقف: كيف كنت لحظتها أفكر، ومع نفسي أقول: أي حيوان يمكن أن يتناول هذا؟ لا يذهبن بك الخيال لتظن بي أني لا أقصد هذه الكلمة "حيوان" حرفياً. ووالله ما دار بخلدي أن أحداً من البشر يمكن أن يتناول ذلك العنب الذي ليس له من العنب إلا الأثر. كنت أتصور أن البائع سيتخلص منه برميه جانباً. أو – ربما - احتفظ به ليبيعه، أو يعطيه لمن يريد إطعامه للدجاج أو ما شابه من الحيوان. ومع ذلك كنت أشفق وأقول: ربما تسممت الدجاجة إذا تناولت شيئاً منه. هكذا كنت لحظتها أفكر. وإذا برجل يقف أمام البائع يريد أن يشتري من ذلك العنب كيلو أو كيلوين – لا أذكر – وبعد أن ساومه على السعر – تصور !!! – صار ينتقي ويضع في الكيس، ثم وضع الكيس في الميزان! والبائع يراقب الكفتين! وبعد أن نقده الثمن، حمله وذهب، وتركني في مكاني واقفاً مذهولاً!
من هذه المجتمعات المتخلفة القذرة جاء سكنة حي الثورة. فنقلوا تخلفهم وقذارتهم وأمراضهم – بأنواعها - إلى بغداد عاصمة الحضارة في منتصف القرن الماضي.