وهذا التقدير لا ينبغي أن يحول بين الإنسان والعمل إذ كلٌّ ميسرٌ لما خُلقَ له كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث.
(( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ )) :
وللسلف في الآية معنيان :
أحدهما : أي سهّلنا خروجه من بطن أمه .
ثانيهما : أي بيّنا له طريق الحق والباطل ، والخير والشر .
وكلا المعنيين صالح لتفسير الآية ، فإنّ الله تعالى يسّر على الحامل وضع جنينها ، وسهل خروجه من رحهما برحمته ومنته ، وفضله وكرمه .. ولولا تيسير الله لاستحال خروجه ، وبقي عبئاً ثقيلاً في بطنها فما أعظم منة الله على نساء العالمين ! !
كما أنّ التيسير المذكور قد يكون بمعنى تبيين طريق الحق والباطل ، وطريق الخير والشر ، وهو نعمة أجل من سابقتها وكرم من الله وفضل لولاه لبقي كل أحد متخبط في دياجير الضلالة ، والظلام ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً .
بيد أنّ الأكثرين استخفوا بهذه النعمة ، وجحدوا فضلها وأهميتها فتنكروا لها فإذا بهم ضُلّالاً حائرين وفي أودية الكفر والفجور تائهين وغارقين .
(( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ )) :
وهي آية تنطق بالمصير المحتوم الذي يؤول إليه كل مخلوق حي فما الحياة الدنيا إلا فترة قصيرة ، ورحلة عابرة يهجم بعدها الموت فيضع حدّاً سريعاً وحاسماً لحياة الإنسان ، لينتقل إلى قبره الموحش المظلم وحيداً فريداً فأما عمل صالح يأنس به ويزيل وحشته وينير قبره ، وإما عمل سيء يزيده رهقاً ويكبله عناءً وشقاءً !
(( ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ)) :
فيظل الإنسان مقبوراً مأسوراً في حفرته أجلاً لا يعلم مداه إلا الله حتى إذا أذن الله للقيامة أن تقوم ، وللخلائق أن تقف بين يديه ، نفخ الملك الموكل بالصور في بوقه
(( فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ)) .
وهي نفخة عظيمة ، دالة على عظمة قدرة الله حيث أعاد الأرواح إلى أجسادها وبعث الجميع بلا نقص ولا فوت (( لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً )) (سورة مريم: 94 ) .