النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وَهَذِهِ الْآيَاتُ تُصَرِّحُ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَنْسُوبٌ إلَى الْمَرْأَةِ، وَمَنْ قَالَ لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ رَدَّ نَصَّ الْكِتَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ﴿الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا﴾ وَبِأَنَّهَا حُرَّةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ فَتَكُونُ لَهَا الْوِلَايَةُ عَلَى نَفْسِهَا كَالْغُلَامِ وَلِتَصَرُّفِهَا فِي الْمَالِ؛ وَبِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ صَحَّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إنْشَاءُ الْعَقْدِ لَمَا صَحَّ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (نِكَاحٌ).
(فِي النِّكَاحِ):
5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْوَلِيِّ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلَا غَيْرِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، شَرِيفَةً أَوْ دَنِيئَةً، رَشِيدَةً أَوْ سَفِيهَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ﴾ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ.﴾ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَنَفْسَ غَيْرِهَا، وَأَنْ تُوَكِّلَ فِي النِّكَاحِ لقوله تعالى ﴿: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ خَالِصُ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمُبَاشَرَةِ، كَبَيْعِهَا وَبَاقِي تَصَرُّفَاتِهَا الْمَالِيَّةِ.
رَابِعًا: مَا يَرْجِعُ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ إلَى نِصَابِ الشَّهَادَةِ:
29 - يَخْتَلِفُ عَدَدُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ بِحَسَبِ الْمَوْضُوعِ الْمَشْهُودِ بِهِ: أ - مِنْ الشَّهَادَاتِ مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، لَا امْرَأَةَ بَيْنَهُمْ وَذَلِكَ فِي الزِّنَا، لقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. .﴾ الْآيَةَ. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .﴾ الْآيَةَ. وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ﴾. ب - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى مَنْ عُرِفَ بِغِنًى أَنَّهُ فَقِيرٌ لِأَخْذِ زَكَاةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ، يَشْهَدُونَ لَهُ. لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ ﴿حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ﴾. ج - وَمِنْهَا مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمَا، وَهُوَ مَا سِوَى الزِّنَى مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَالْجَلْدِ فِي الْخَمْرِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ مَالٌ: كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَالنَّسَبِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالْمَوْتِ وَالْإِعْسَارِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمَا. وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوَصِيَّةِ. فَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَقَوْلُهُ: ﴿إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي النِّكَاحِ: ﴿لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ﴾. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ. وَقِيسَ عَلَيْهَا مَا شَارَكَهَا فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ. د - وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: مَا يُقْبَلُ فِيهِ