تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصلاة الإسلامية ـ بعد ذلك ـ تربية اجتماعية رشيدة، ومدرسة إنسانية عالية، على نسق فريد في تاريخ الأديان والعبادات.

فالإسلام لم يكتف من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يحيا فيه، ولكنه دعاه دعوة قوية إلى أدائها في جماعة وبخاصة في المسجد، وهم الرسول أن يحرق على قوم بيوتهم لأنهم يتخلفون عن الجماعات، فإن لم تكن هذه الجماعة واجبا فهي أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة في نظر الإسلام

***********

- ألا نعتبر أننا في مثل المجتمع المكي الذي لم يجوز الله تعالى فيه الخروج للمسلمين وأمرهم بكف أيدهم وبالدعوة على الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؟

والجواب: لا يمكن اعتبار المجتمعات الحالية كالمجتمع المكي لأن هذه المجتمعات إسلامية في الأصل ويحاول أعداء الإسلام في الداخل والخارج سلخها عن دينها وردتها فالقياس إذن مع الفارق ومن ثم فلا خيار للحاكم ولا للمحكوم في تحكيم منهج الله تعالى وشرعه وإلا فهي الردة الصريحة قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (65) سورة النساء

قال السعدي:

أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن.

فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين.

وقال ابن كثير:

وقوله ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لم جئت به». وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلاً في سْريج من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك». واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصر · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصرص ٤٩٩