تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرَّبَابَ إذْ كَرَّ هُوَ الدِّينُ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ ثُمَّ دَانَتْ بَعْدَ الرَّبَابِ وَكَانَتْ كَعَذَابِ عُقُوبَةِ الْأَقْوَالِ وَالْآخَرُ: الْعَادَةُ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ: تَقُولُ وَقَدْ دَرَاتُ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي وَالدِّينُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الِانْقِيَادُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَل وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ وَالْعَادَةِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْخِطَابِ جَرَى بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ وَذَلِكَ صِفَةُ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَعْنِي كُفْرًا ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وَدِينُ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الْمَعْنَى: فَلَا قَتْلَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: الْقَتْلُ الْمَبْدُوءُ بِذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ وَسَمَّى الْقَتْلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ عُدْوَانًا لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجَزَاءُ اعْتِدَاءً وَلَا سَيِّئَةً.

وقال ابن العربي:

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قوله تعالى ﴿: وَلَا تَعْتَدُوا﴾: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا تَقْتُلُوا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قوله تعالى ﴿: وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أَيْ لَا تُقَاتِلُوا عَلَى غَيْرِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يَعْنِي دِينًا. الثَّالِثُ: أَلَّا يُقَاتَلَ إلَّا مَنْ قَاتَلَ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ؛ فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ وَالرُّهْبَانُ فَلَا يُقْتَلُونَ؛ وَبِذَلِكَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ أَرْسَلَهُ إلَى الشَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِهَؤُلَاءِ إذَايَةٌ. وَفِيهِ سِتُّ صُوَرٍ: الْأُولَى: النِّسَاءُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلْنَ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِهِنَّ؛ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْأَئِمَّةُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُقَاتِلْنَ، فَإِنْ قَاتَلْنَ قُتِلْنَ. قَالَ سَحْنُونٌ: فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ قَتْلُهُنَّ، إذَا قَاتَلْنَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ وَبَعْدَهَا لِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وَلِلْمَرْأَةِ آثَارٌ عَظِيمَةٌ فِي الْقِتَالِ؛ مِنْهَا الْإِمْدَادُ بِالْأَمْوَالِ، وَمِنْهَا التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَدْ كُنَّ يَخْرُجْنَ نَاشِرَاتٍ شُعُورَهُنَّ، نَادِبَاتٍ، مُثِيرَاتٍ لِلثَّارِ، مُعَيِّرَاتٍ بِالْفِرَارِ، وَذَلِكَ يُبِيحُ قَتْلَهُنَّ. الثَّانِيَةُ: الصِّبْيَانُ؛ فَلَا يُقْتَلُ الصَّبِيُّ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الذُّرِّيَّةِ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ، فَإِنْ قَاتَلَ قُتِلَ حَالَةَ الْقِتَالِ، فَإِذَا زَالَ الْقِتَالُ فَفِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي الْعُتْبِيَّةِ يُقْتَلُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ: لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَلَا الصَّبِيُّ إذَا قَاتَلَا، وَأُخِذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَسِيرَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا قَتَلَا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هَاهُنَا لَيْسَ قِصَاصًا، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَحَدٌّ، وَاَلَّذِي يُقَوِّي عِنْدِي قَتْلَ الْمَرْأَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمِنَّةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الصَّبِيِّ لِعَفْوِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الذُّنُوبِ. الثَّالِثَةُ: الرُّهْبَانُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يُقْتَلُونَ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ؛ بَلْ يُتْرَكُ لَهُمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا إذَا انْفَرَدُوا عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: " وَسَتَجِدُ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، فَإِنْ كَانُوا مَعَ الْكُفَّارِ فِي الْكَنَائِسِ قُتِلُوا ". وَلَوْ تَرَهَّبَتْ الْمَرْأَةُ رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تُهَاجُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُغَيِّرُ التَّرَهُّبُ حُكْمَهَا. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي رِوَايَةُ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: فَذَرْهُمْ وَمَا

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصر · الصفحة ٤٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصرص ٤٦١